قوله: (لعله إذا ردّ بعض قوله) أي قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - (أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك) نبه رحمه الله أن رد قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - سبب لزيغ القلب، وذلك هو الهلاك في الدنيا والآخرة كما قال تعالى: ?فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ? [الصف:61] .
قال شيخ الإسلام رحمه الله في معنى قول الله تعالى ?فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ? [النور:63] : فإذا كان المخالف لأمره قد حذر من الكفر والشرك، أو من العذاب الأليم، دلّ على أنه قد يكون مفضيًا إلى الكفر والعذاب الأليم، ومعلوم أن إفضاءه إلى العذاب الأليم هو مجرّد فعل المعصية، فإفضاؤه إلى الكفر إنما هو لما اقترن به من الاستخفاف في حق الأمر، كما فعل إبليس لعنه الله تعالى. ا هـ.
وقال أبو جعفر بن جرير رحمه الله تعالى عن الضحاك ?فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ? [النور:63] قال: يُطبع على قلبه فلا يؤمن أن يظهر الكفر بلسانه فتضرب عنقه.
قال أبو جعفر بن جرير: أدخلت ?عَنْ? لأن معنى الكلام: فليحذر الذين يلوذون عن أمره ويدبرون عنه معرضين.
قوله ?أَوْ يُصِيبَهُمْ? في عاجل الدنيا عذاب من الله موجع على خلافهم أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. (1)
(1) بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فهذا الخبر عن الإمام أحمد رحمه الله يفيد التغليظ الشديد فيمن ترك الدليل من الكتاب أو من السنة إلى قول أحد بعد وضوح دلالته وضعف دلالة صاحب الرأي، والنبي - صلى الله عليه وسلم - أمره ونهيه كأمر لله ونهيه من جهة الطاعة، والسنة -كما ذكرنا- وحي من الله جل جلاله.
فقول الإمام أحمد (عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان، والله يقول: ?فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ? [النور:63] ، أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رَدَّ بعض قوله أن يقع في قبله شيء من الزيغ فيهلِك.) والآية فيها أنّ من ترك أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - والأولى منه أمر الله جل وعلا من ترك ذلك بعد العلم به وظهور الحجة فيه على المسألة أنه متوعد بالعذاب الأليم أو بالعقوبة في قلبه؛ بأن ينقلب مشركا، وهذا يدل على أن -مثل ما ذكر لك في الشرح يعني شيخ الإسلام- على أن أمر المخالف للنبي - صلى الله عليه وسلم - قد يقع في الكفر عقوبة على مخالفته، وذلك إذا كانت مخالفته من جهة تركه للأمر رغبة عنه، أما إذا خالفه مع العلم بأنه عاصي فهذا له حكم أمثاله من أهل الوعيد.
فإذن قوله هنا ?فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ? المخالفة المترتِّب عليها وقوع الشرك وقوع الفتنة أو وقوع العذاب الأليم، أو المترتب عليها الوعيد بهذا أو ذاك، هذه فيها نوع إجمال، والسنة تفسر بعضها بعضا، وكذلك السنة تفسر مجمل الكتاب، والكتاب أيضا يفسر مجمل السنة.
ولهذا نقول: إن قوله ?فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ? هي كما استدل بها الإمام أحمد رحمه الله؛ لكن ينضبط هذا من جهة الكفر والشرك أو من جهة التوعد بالعذاب بما جاء ضبطه بالأدلة الأخرى؛ لأن هذا فيه نوع إجمال -الذي هو المخالفة-.
ولهذا ابن جرير رحمه الله قال لك إن في قوله ?يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ? هي بمعنى يلوذون عن أمره يعني خالفه تركه ولاذ عنه وفر عنه، وهذا يفهم منه أنه قصد ذلك بعد العلم به ورغب عنه إلى غيره، وهذا الأصل الذي قاله ابن جرير ظاهر؛ لأن تعدية المخالفة في حرف عن يدل على أنه ضمّن الفعل يخالفون معنى اللياذ والفرار؛ لأن المخالفة تتعدى بنفسها، تقول: خالف فلان أمر النبي - صلى الله عليه وسلم -، ما تقول: خالف عنه؛ لكن هنا لما عداها بـ (عن) يعني أنه ضمن هذا الفعل فعل آخر يناسب التعدية بـ (عن) ، وهو يلوذ أو يفر؛ لأنك تقول: فرّ عن هذا الشيء ولاذ هم هذا الشيء. ومجيء ?عن? هنا أفاد أنه فر مع العلم بذلك لأنه قال ?فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ? فأمره قد وضح لهم وبان ورغبوا في آرائهم ويدل على ذلك الآية قبلها حيث قال جل وعلا ?وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ? [النور:62] إلى آخره الآية، فدل على أن هؤلاء الذين خالفوا وذهبوا من غير استئذان أنهم علموا بالأمر وتعمدوا خلافه لأجل رأي رأوه ظنوا أن غيره أحسن من أمر النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو أنه مثله أو أنه يسوغ لهم هذه المخالفة.
وهذا الوعيد مثل ما ذكرت لكم ?فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ? يعني فليحذر أولئك إصابة الفتنة لهم.
والفتنة تفسر في القرآن بالشرك وذلك لقوله ?وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ? [البقرة:217] ، ?وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ? [البقرة:191] يعني الشرك أشد من القتل والشرك أكبر من القتل، وإن كان اللفظ هنا عاما أعني قوله ?أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ?؛ لأنه يصلح أن يكون لأي فتنة؛ يعني أن تكون فتنة من الفتن، أعني بالعموم هنا عموم المطلق؛ لأن فتنة هنا في سياق الإثبات، فتفيد الإطلاق؛ يعني أي فتنة من الفتن، ممكن أن تصيبه فتنة المال، فتنة عدم رؤية المعروف معروفا والمنكر منكرا، أن تصيبه فتنة الشرك، وتفسير الإمام أحمد لها هنا بقوله الفتنة الشرك، هذا لأجل أنها وردت في القرآن بمعنى الشرك، ثم لأنها أبلغ أو أعظم في النهي؛ لأن الشرك هو أشد ما يخشى منه قال ?أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ? وهذا فيه الوعيد لمن خالف أمر النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ.
ولهذا كان أصحاب الإمام أحمد تقاسموا مسائل العلماء، فكان منهم من يسأله عن مسائل سفيان، وكان منهم من يسأله عن مسائل مالك، وكان من يسأله عن مسائل أبي حنيفة، وكان منهم من يسأله عن مسائل الليث إلى آخره، فأصحاب الإمام أحمد منهم من تخصص في بعض آراء أهل العلم أو بعض أقوالهم، فتنوعت المسائل عن الإمام أحمد لأجل هذا، فمنهم من سأله وهذه المسائل ما استوعب فيها أحكام الأبواب جميعا؛ يعني مسائل الأبواب جميعا، وإنما سأله عن آراء سفيان مثلا، وآخر سأله عن آراء أبي حنيفة، وآخر سأله عن آراء فلان، وتنوعت المسائل لأجل ذلك كما نص على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية مع تسمية كل صاحب للإمام أحمد وتسمية من اختص به من أهل العلم في السؤالات.
المقصود من هذا أن طلب الدليل وطلب أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - والرغبة في ذلك هو الواجب على المسلم، الواجب أن يحرص على طاعة الله وطاعة رسوله، وطاعة الله وطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم - لا تكون إلا بامتثال الأمر واجتناب النهي، وامتثال الأمر واجتناب النهي فرع عن العلم بذلك، فنتج أن العلم بما أنزل الله على رسوله من الكتاب والسنة، أنه لابد أنك وفرض على الأعيان فيما لا يسع المكلف جهله وفرض على الكفاية في عامة المسائل.
وقوله (لعله إذا رَدَّ بعض قوله أن يقع في قبله شيء من الزيغ فيهلِك.) هذا الترجي قوله (لعله) يعني ترج فيه تخويف؛ وذلك لأن من العقوبات التي يعاقب الله جل وعلا بها العباد أن يعاقبهم في قلوبهم -نسأل الله العافية- وهذه أعظم العقوبات وهو أن يعاقب المرء في قلبه، فإذا عوقب في قلبه لم يعرف الحق من الباطل، فاشتبه عليه فهذا وهذا وخاض في الباطل وترك الحق لأجل هذا الاشتباه، ولهذا النور والبصيرة يؤتيها الله جل وعلا من جاهد في طاعة الله وفي طالعة رسوله وقد قال جل وعلا ?وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (66) وَإِذًا لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (67) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا (68) وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللّهِ وَكَفَى بِاللّهِ عَلِيمًا? [النساء:66-70] استدل شيخ الإسلام وغيره بهذه الآية على أن من عمل بما علم أنه يُثبت له في صدره العلم؛ لأن الله جل وعلا قال ?وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا?، وهذا يشمل تثبيت القلب في البصيرة وأيضا تثبيت المعلومات، وكذلك قال جل وعلا ?فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ? [محمد:21] ؛ يعني لو صدقوا الله في فعل ما أمر في فعل ما أمر واجتناب ما نهى لكان خيرا لهم ومن الخير أن يثبت العلم ويفقه المرء فيما لم يعلم، لهذا أثر عن السلف أنهم قالوا من عمل بما علم أورثه الله علما ما لم يعلم؛ يعني ييسر له الفقه في أشياء لم يعلمها في مدة وجيزة، إذا جاهد نفسه في طاعة الله وطاعة رسوله وكان عنده استعداد من جهة الطبيعة أن يفهم وأن يستقر في ذهنه العلم.
الإمام أحمد رحمه الله كان شديد الإنكار أن يُكتب عنه، كذلك الشافعي، وكذلك مالك؛ إلا فيما سئلوا عنه، وأما كتابة كل كلامهم وكل أقوالهم فقد حذروا من ذلك وقالوا: ربما يقول المرء اليوم قول ثم يرجع عنه. اتبعوا الدليل وذلك لأنهم على قرب أثارة من أصل النبوة وعندهم الآلات متيسرة؛ آلات فهم العلم.