فهرس الكتاب

الصفحة 2015 من 2735

وقد قال الله تعالى: ?فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ? [القصص:50] .

وعن زياد بن حُدير قال: قال لي عمر رضي الله عنه: هل تعرف ما يهدم الإسلام؟ قلتُ: لا، قال: يهدمه زلة العالم، وجدال المنافق بالقرآن، وحكم الأئمة المضلين. رواه الدارمى.

جعلنا الله وإياكم من الذين يهدون بالحق وبه يعدلون. (1)

(1) هذا الحديث -حديث عدي بن حاتم- أنه دخل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان في عنقه صليبا، فلما رآه النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ -يعني أول ما أسلم- قال «ألق عنك هذا الوثن» وتلا النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ على عدي هذه الآية ?اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إلهًا وَاحِدًا? [التوبة:31] ، فقال عدي: يا رسول الله إنا لسنا نعبدهم. ففهم عدي من الآية أن العبادة هي أن يتوجهوا إلى هؤلاء الأحبار والرهبان بأنواع الشعائر؛ بالصلاة بالزكاة بالصيام وأنواع العبادات المعروفة، فبين النبي - صلى الله عليه وسلم - أن أصل العبادة هو الطاعة، وقد صرفتم إليهم الطاعة، فقال عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ «ألم يحلوا لكم ما حرم الله فأحللتموه؟» قال: بلى. قال «ألم يحرموا عليكم ما أحل الله فحرمتموه؟» قال: بلى. قال «فتلك عبادتهم» .

قوله عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ «ألم يحلوا ما حرم الله» (ما) هنا بمعنى الذي، ومقتضى الأسماء الموصولة أنها تعم، يعني: ألم يحلوا لكم الذي حرم الله، وعمومها قد يكون على أصله؛ يعني أنه يشمل جميع الأفراد، فكل ما أحلّ الله حرموه، وقد يكون العموم يراد به الخصوص، وهو أنهم حرموا عليهم بعض ما أحل الله.

وكذلك قوله قال «ألم يحرموا عليكم ما أحل الله فحرمتموه؟» قال: بلى. قال «فتلك عبادتهم» . الجملة الثانية مثل الأولى؛ لأن تحليل الحرام مثل تحريم الحلال، ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله في شرحه لهذا الحديث قال: فدل هذا الحديث على أن تبديل الدين كفر وشرك أكبر والذي يطيع المبدل للدين على مرتبتين:

المرتبة الأولى أن يطيعه عالما بأن شرع الله في خلافه، يعلم أن حكم الله هو كذا، ويطيع ذاك في تحليل الحرام، في تغيير الحكم، ويعتقد أن ما أحله العالم هو الحلال، وأن ما أحل الله ليس بحلال، فيكون غيّر وبدل في أصل الدين، فيكون الله جل وعلا أحل الخبز فيحرمه العالم فيعتقد حرمة الخبز حرمة أكله، والله أباحه وهذا العالم حرمه، فأطاع العلام معتقدا أن هذا الذي قاله هو الحق وهو الصواب، فاعتقد أن هذا الذي أحله الله حرام، هذا تبديل للدين في هذه المسألة.

وحقيقته أنه رد حكم الله ولم يطع الله وأطاع غيره في خصوص المسألة هذه، واعتقد أن حكم غير الله هو الصواب، وأن حكم الله جل وعلا غلط؛ لأنه قال فيه (ألم يحرموا عليكم الحلال فحرمتموه) ، حرموا عليهم الحلال فحرموه اعتقادا منهم أنه حرام.

هذه الصورة الأولى التي فيها تبديل الدين، تبديل الدين من أصله باعتقاد أنّ الدين المبدَّل هو الحق وأنه جائز.

الحال الثانية التي ذكرها شيخ الإسلام أن يطيعهم في تبديل الدين؛ ولكنه لا يعتقد تصويبهم، وهذا له حكم أمثاله من أهل المعاصي.

فشيخ الإسلام رحمه الله قسم الذين يطيعون في التحليل والتحريم قسمهم إلى قسمين:

الأول من أطاعهم في تبديل الدين باعتقاد تبديل الدين؛ يعني أن هذا الشيء المعين حلال فأطاعهم في أنه حرام؛ يعني أصبح في الدين حراما، والدين المقصود منه الطاعة والشرع؛ يعني في تشريع الله أنه حلال فقالوا هو حرام، فأطاعهم في أن هذا الحكم في التشريع حرام فالتزمه، التزمه يعني قال أنا لست مخاطبا بالحكم بأنه حلال؛ بل الآن مخاطب بالحكم بأنه حرام، وهذا يلزمني الآن، أما الحكم بأنه حلال هذا يلزمني.

الحال الثاني أن يطيعهم فيحل الحرام ويحرّم الحلال شهوة وطاعة لهم، فهذا له حكم أمثاله من أهل المعاصي؛ يعني مطيع ويعتقد أن الحلال هو ما أحل الله، وأن الحرام هو ما حرم الله هذا اعتقاده في باطنه؛ ولكنه أطاعهم ظاهرا، هذا في حال الأحبار وكذلك في حال الرهبان وكذلك في حال الأمراء.

فإذن طاعة العلماء والأمراء التي بنى عليها الشيخ رحمه الله هذا الباب بقوله (باب من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله؛ فقد اتخذهم أربابًا من دون الله) يعني أطاعهم في تبديل الدين؛ فجعل غير دين الله هو الملتزم هو الذي يعتقد أنه الصواب وأنه الملتزم.

مثل ما يعتقد اليوم الطوائف من أهل الجاهلية، يعتقدون أن حكم القوانين هو أفضل من حكم الله، وأنه الصواب، وأن أحكام الله جل وعلا في الكتاب والسنة أنها ليست بصواب ولا تناسب هذا الزمن. هذا من أطاعهم في ذلك معتقدا هذا الكلام فهو كافر مشرك اتخذهم أربابا من دون الله واتخذهم آلهة؛ لأن الله جل وعلا قال ?وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ? [الأنعام:121] ؛ يعني أطعتموهم في جعل الحلال محرما معتقدين حرمته، أو أطعتموهم في جعل المحرم حلالا معتقدين حله، فهؤلاء مشركون الشرك الأكبر، ويخرجون بذلك عن الملة لأنهم اتخذوا أربابا من دون الله.

أما لو أطاع ظاهرا وباطنه يعتقد أنّ الصواب في حكم الله؛ ولكنه في الظاهر أطاع، هذا له حكم أمثاله من أهل الشهوات، مثل الزاني الذي يزني وهو حين يزني قدم شهوته على أمر الله جل وعلا؛ لكن إذا كان في قرارة نفسه أنه مخالف لأمر الله وأن الزنا حرام حين فعله؛ لكنه أقدم على ذلك لشهوة، فإنه لم يستحله؛ بل فعله عن شهوة هذا عاصي، كذلك من شرب الخمر وهو يعتقد حرمته هذا عاصي، كذلك من أطاع وهو يعتقد أنه عاص في هذه الطاعة، هذا أيضا له حكم أمثاله من أهل المعصية.

إذن فصارت المسألة على كلام شيخ الإسلام منقسمة إلى فريقين، وهذا النص الذي جاء في هذا الحديث وفي تبويب الشيخ هذا يراد به من أطاع في تحريم الحلال أو في تحليل الحرام معتقدا أن الحرام صار حلالا وأن الحلال صار حراما، إذا اعتقد ذلك فقد كفر بالله واتخذ ذلك ربا من دون الله؛ لأن أصل العبودية الطاعة، فإذا التحليل والتحريم يطاع فيه غير الله جل وعلا معناه جُعل الحكم لغير الله والله جل وعلا يقول ?إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ? [الأنعام:57، يوسف:40] .

وفي كلام الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله في أول رسالة تحكيم القوانين: إن من الكفر الأكبر المستبين تنزيل القانون اللعين منزلة ما نزل به الروح الأمين على قلب سيد المرسلين في الحكم به بين العالمين، والرد إليه عند تنازع المتخاصمين، منازعة ومكابرة لقول الله جل وعلا. وساق بقية كلامه، فجعل هذه الطاعة في تحكيم القانون جعلها كفرا أكبر؛ لأنه من نزّل القانون منزلة الشرع معتقدا أن الحكم به مثل الحكم بالشرع أو لا بأسه ما فيه شيء، أو نحّ الشرع تماما عن الحكم وبد الدين وأتى بشريعة أخرى فإن هذا كفر أكبر مخرج من الملة؛ ولأنه اتخذه ربا واتخذه إلها من دون الله جل وعلا.

أما لو فعل ذلك وهو يقول إني عاصي أطاعهم في الحكم تحاكم، أو أطاع في مثل هذه الأمور في تحليل الحرام وتحريم الحلال، وهو يقول أنا عاصي وهو يقول أنا عاصي أنا عارف أن الحكم حكم الله لكن أطعتهم ظاهرا، هذا عاصي مرتكب كبيرة وكافر الكفر الأصغر الذي هو أعظم من الزنا وشرب الخمر والسرقة -نسأل اله جل وعلا العافية والسلامة-.

وعلى هذا ينبني الكلام في قوله ?وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ? [المائدة:44] .

فإذن قوله هنا في الآية ?اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا? [التوبة:31] ، لأن الرب هو المطاع وإذا جعلوا الأحبار والرهبان هم المطاعين يأمروهم بالشيء فيطيعونهم فإن ذلك اتّخاذ لهم أرباب من دون الله جل وعلا؛ لأن الطاعة لله جل وعلا ?إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ? [يوسف:40] ، فمن أطاع الطاعة هذه بتحليل الحرام وتحريم الحلال واعتقد صحة الدين الجديد؛ يعني الطاعة الجديدة فإنه بذلك خارج من الإسلام إن كان مسلما وكافر بالله جل وعلا نسأل الله السلامة والعافية.

وهذا سبب في إيراد الشيخ رحمه الله لهذا الباب أنه في عصره مشايخ البادية يحكمون بين الناس بما يسمونه سْلُوم وسواليف الآباء والأجداد؛ يعني قوانين يضعها مشايخ البدو إذا تخاصم رجعوا إليهم فحكموا بينهم بهذه الأعراف؛ أعراف البدو والسلوم -سلوم أهل البادية-، والشيخ رحمه الله كان ينص على أن أولئك إذا بُلّغوا الشرع واعترضوا على الحكم بغير الشرع بعد علمه به فإنهم كفار؛ لأنهم لم يحكموا بما أنزل الله جل وعلا بعد البيان لهم ورغبوا عن ذلك طاعة لأمرائهم ولمشايخهم.

إذن المسألة تحتاج إلى ضبط فيما بين جهة الأحبار والرهبان والأمراء والمشايخ؛ يعني مشايخ البادية والرؤساء، وما بين جهة المطيع، فهؤلاء مطاعون وأولئك مطيعون.

فحال المطيع على التفصيل.

وحال المطاع أنه كافر إذا أحل وحرم فهو كافر بالله جل وعلا، فالذي يشرع القانون مناقضة لكم الله، هذا كافر بالله جل وعلا، إذا كان يعلم حكم الله ويشرّع قانون مخالف لحكم الله فهذا المشرع له هذا كافر بالله جل وعلا، فإذا كان مثلا شيخ بادية أو رئيس قوم أو أمير أو ملك أو رئيس دولة أو نحو ذلك يأمر أو يقول: شرعوا القانون الفلاني شرعوه لمخالفة وهو يعلم أن حكم الله في المسألة كذا وهو يقول شرعوا القانون الذي فيه الزنا لا يعاقب عليه إلا إذا كان عن غصب أما إذا كان عن تراضي فتؤمر المحاكم بأنها لا تنظر في ذلك، أو تؤمر المحاكم أن تحكم بالقاون الفرنسي ونحو ذلك في مثل هذه المسائل، هذا كفر بالله من جهة المشرع.

أما من جهة الطائع ففيه التفصيل الذي ذُكر؛ في أنه إذا أحل معتقدا إذا أحل له الحرام فأطاع معتقدا أنه حلال فهذا يكفر وأما إذا أطاع، وهو يقول إني عاصي والصواب حكم الله فهذا ليس بكافر، فرق ما بين المشرع وما بين المتلقّي، المشرع هذا مناقض لأصل الدين.

لهذا قال الشيخ رحمه الله في خطبة كتابه أو رسالة تحكيم القوانين: إن من الكفر الأكبر المستبين تنزيل القانون اللعين منزلة ما نزل به الروح الأمين. إلى آخره.

فتنزيل القانون منزلة الشرع هذا كفر أكبر.

والمنزِّل له يعني المشرع له، المشرع الذي يشرع هذا القانون ويأمر به، هذا كافر الكفر الأكبر بالله جل جلاله.

ولهذا قال في آخر رسالته قال: فهذه المحاكم القانونية اليوم الناس إليها أسراب إثر أسراب يحكم فيها الحاكمون بما يخالف السنة والكتاب ولهم إمدادهم وتدوينهم مثلما في المحاكم التي تحكم بحكم السنة والكتاب، قال: فأي مناقضة للشهادة بأن محمد رسول الله فوق هذه المناقضة.

لأن هذا تشريع، تشريع وهذا عام، وهو ما يمكن من أحد أن يكون يشرع ولا يكون كافرا، المشرع الذي شرعه وألزم الناس به هذا لا يكون إلا كافرا.

إذا تقرر هذا فثم مسألة متصلة بذلك، وهو أنّ موافقة القانون في الحكم ليست كفرا؛ لأن من القوانين ما يكون فيه مواد توافق الشرع، فليس كل حكم بنظام أو قانون كفرا؛ بل:

إذا كان القانون أو النظام إذا كان مناقضا للشرع؛ فإن هذا فيه الكلام السابق.

وأما إذا كان يوافق الشرع فليس مدار الكلام السابق على تسميته قانونا أو تسميته نظاما؛ بل على الإلزام بما يخالف كلام الله جل وعلا وكلام رسوله - صلى الله عليه وسلم -؛ ما يخالف حكم الله وحكم رسوله - صلى الله عليه وسلم -.

وفي هذه البلاد ثَم أنظمة موجودة وقوانين أيضا موجودة في بعض القطاعات معروفة، ودخولها في هذه البلاد له سبب ويعلم ذلك أهل العلم والمتصلون بالعلماء، وهو أنه لما توسعت الدولة وكثُرت القضايا المختلفة، وصارت القضية إذا عُرضت على القاضي وكانت قضية مستجدّة إما في مشاكل تجارية في أوضاع جديدة أو في مشاكل الشركات لما جاءت [...] أو في نحو ذلك، لما عرضت على بعض المشايخ صارت القضايا تطول، فعرض عليهم أن ينظروا في أنظمة أو قوانين موجودة سابقا، إما من القانون الأمريكي أو الفرنسي أو البريطاني، فينظر فيها فما وافق منها الشرع قبل وما ما خالف منها الشرع رد.

فالمشايخ وقت الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله أذنوا بذلك بشرط أن تعرض تلك المواد والأنظمة على مجموعة من القضاة لينظروا فيها، والقضاة مشاربهم مختلفة.

فكان أول الأمر المواد ينظر فيها من جهة المذهب الحنبلي، ثم رُئي أن في ذلك حذفا لأكثر تلك المواد.

وبعد ذلك من جهة المذاهب الأربعة فزادت المواد؛ يعني ما كانت المادة فيه هي من نظام أو قانون كانت موافقة لأحد المذاهب الأربعة أُقرت.

ثم توسع فيه حتى كان القول في المادة إذا كان موافقا لقول أحد علماء الإسلام فإنه يقبل وغيره يرد، وهذا هو الذي مشى في وقت الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله تعالى.

وبعد ذلك يعني توسع الناس في هذا وزادوا موادا بناء على اجتهاد الناظر في هذا النظام.

لهذا هذه المسألة ينبغي أن تكون واضحة؛ لأن من الناس من يجعل الأنظمة الموجودة هنا مثل القوانين الموجودة في البلاد التي تحكم بالقوانين الوضعية، والمسألة مختلفة.

نعم الواجب في هذه البلاد أن يتقي الله جل وعلا من ولي هذه الأمور، وأن يجعل الحكم بما يوافق نصوص الكتاب والسنة، وأن تعرض هذه الأنظمة والقوانين على المحققين من أهل العلم حتى يقروا ما وافق الدليل.

نعم، ما وافق أحد المذاهب أو قول أحد من أهل العلم ما يخرج القول عن كونه قولا من أقوال المنتسبين للشريعة أو من أقوال علماء الإسلام؛ لكن هذا ربما رجع إلى ابتغاء الرخص والأخذ من كل مذهب بما يوافق الموجود، وهذا ليس مسلما به؛ بل هو باطل.

فالواجب أن ترد تلك إلى حكم الكتاب والسنة عن طريق أهل العلم الفقهاء بالكتاب والسنة؛ الذين يعلمون حدود ما أنزل الله على رسوله، وإذا قام الأمر على ذلك.

فإذا المقام يظهر فيه الفرق بين أن تجعل أنظمة موافقة لبعض الأقوال، وبين أن تكون الأنظمة لم يُنظر فيها أصلا إلى موافقة أقوال العلماء في الشريعة.

ولهذا تجد أن الذين يتكلمون في مسألة الأنظمة والقوانين تجد كلام العلماء الراسخين فيها الذين يعون هذا الترتيب الذي ذكرته غير كلام الشباب أو الصغار الذين ما وعوا تاريخ وكيف دخلت هذه الأنظمة وكيف بدأت.

والذي ينظر في فتاوى العلماء في ذلك الوقت فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله يجد ما ذكرت جليا في أنه تعرض عليه مواد كثيرة فيبطل مواد ويصحح مواد، فليس الشأن في التحريم كونه قانونا أو كونه نظاما، وإنما الشأن أن يكون ثَم فيه موادا مخالفة لحكم الله وحكم رسوله - صلى الله عليه وسلم -.

فتنبه في هذه المسألة خطيرة المهمة، تنبه إلى قول أهل العلم الراسخين؛ لأنهم هم الذين أدركوا التاريخ؛ تاريخ دخول هذه الأشياء، وكيف جاءت وكيف شُكلت اللجان.

ولهذا تجد اليوم أن المحاكم التي تؤخذ مثل هذه الأمور مثل المحكمة التجارية، ومحكمة فض المنازعات التجارية، ومحاكم من جنس هذا، تجد أن فيها من قضاة المحكمة الشرعية.

إذا جاءت المواد هذه يأتي القاضي؛ يعني إذا كانت المسألة ينظر فيها من جهة المواد يأتي القاضي فتكون مهمته الآن في المحكمة أن ينظر، هل هذه المادة موافقة للشرع أم مضادة للشرع؟ فينظرون فيها من جهة النظام الموضوع -نظام المحكمة التجارية أو كذا-، ثم القاضي ينظر هل هذه المادة موافقة للشرع أو غير موافقة، وهذا ترتيب مر عليه زمن طويل من تأسيس المحاكم القضائية في هذه البلاد من وقت الشيخ محمد رحمه الله، وأُسست على هذا.

نعم دخل نقص كبير في هذا، وتساهل الناس في ذلك وسبب التساهل ضعف المشتركين من القضاة في مثل هذه الأمور، وليس من خلل أصل الوضع؛ ولكن من جهة ضعف المشارك، وقد يكون القاضي المشارك ليس عنده من العلم ما يرفض هذه المادة، وقد يكون ليس عنده من الجرأة أن يرفض هذه المادة، يقوم في نفسه قد تكون صحيحة وقد لا تكون صحيحة، فيمشي المسألة دون تعب ودون نظر، فرجعت المسألة إلى ذنوب العباد وليست إلى هدم أصل الدين والتكفير بهذه المسائل...

[الأسئلة]

س/...

ج/ ...معذور حتى يعلّم هذا في التحليل والتحريم، بخلاف مسألة التوحيد في أصل التوحيد هذه فيها هل يعذر الجاهل أو لا يعذر الجاهل ليس هذا الكلام فيه، لكن واحد قيل له إن هذا حرام فحرمه قاله له عالم قال له أمير هذا حرام فحرمه، وهو لا يعرف حكم الله، هذا ما يعتبر أنه أحل الحرام أو اعتقد حل الحرام؛ لأنه ليس عنده شيء آخر الواجب عليه البحث عن حكم الله وسؤال أهل العلم الذين يؤتمنون على دين الله؛ لكن عن صرف عن ذلك فله حكم الجهال.

الجاهل إذا كان يسعه السؤال ولم يفعل ويكون مذنبا، إذا كان أنه ما وسعه السؤال وما أمكنه أو ما وجد من يجيبه فإنه يعذر.

س/ إذا كان هذا مستحلا مجتهدا ذلك الحكم؟

ج/ كِيف مستحل مجتهد كِيف؟

س/ يتأول هذا الحكم.

ج/ الكلام على ما أحل الله وما حرم الله؛ يعني فيما ظهرت دلالته القطعية بأنه حلال وما ظهرت دلالته القطعية بأنه حرام؛ يعني أحل المجمع عليه؛ لذلك مثلت لك بالخبز، وحرم المجمع على حله، أحل المجمع على حرمته وحرم المجمع على حله.

فمثلا إذا قال قائل الزنا حلال ما فيه شيء، هذا كافر؛ لأن الزنا مجمع عليه.

لكن إذا قال قائل الربا كله حلال ما فيه شيء اسمه ربا حلال، هذا كافر، كافر بالله لأنه أحل الحرام واعتقد حل الحرام.

لكن إن نازع في بعض أفراد الربا قال ربا الفضل ليس بحرام، لا بأس، ربا الفضل أباحه ابن عباس مع أن النصوص فيه قوية النصوص واضحة لا شبهة فيها، هذا يكون تحليلا لما لم يجمع، هذا له حكم الخلافيات في المسائل الخلافية.

إذا قال الفوائد البنكية هذه، إذا قال إنها حلال هذه الفوائد فيها خلاف مثل ربا الفضل، فلا يعتبر كافرا بإحلال هذه الفوائد الربوية مختلف فيها، حتى من علماء الحديث أو من العلماء المتأخرين في هذا الزمن الذين ظهورا بعد فشوا الفوائد الربوية مَن كتب كتبا في إباحتها من العلماء الموثوق بهم، وذلك لقيام الشبهة في الفوائد؛ لأن الفوائد مثلا.

طبعا القول بأنها حلال باطل قول شاذ ضعيف مطرح، والصواب أنها حرام وأنه يجب إنكار على متعاطيها وإنكار وجودها؛ ولكن من قال بإباحتها هذا لا يكفر؛ لأنه قاله لشبهة عرضت له من الدليل وهو يستدل بقوله تعالى ?لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ? [البقرة:279] ، وأن علة التحريم في الربا بنص الآية هي الظلم؛ ولأن الربا أبشع الظلم، وإعطاء فوائد البنوك ليس ظلما بل فيه مصلحة صاحب المال، بخلاف ربا الجاهلية لأنه يقرضه، ثم إذا أتى بعد سنة سدد ما سدد قال يتضاعف عليك عشرين في المائة بعد سنة سدد ما سدد قال يتضاعف عليك أربعين في المائة وهكذا، هذا الظلم واضح فيه؛ لأنه فيه إذلال المقترض ومضافة الثمن ومضاعفة القرض عليه. أما الفوائد يقول ما فيه ظلم لقيام بهذه الشبهة منعت التكفير.

كذلك مثل النبيذ الخمر محرم النبيذ المسكر خمر ما فيه شك ومحرم؛ لكن لما رأى أبو حنيفة رحمه الله رأى أنه مباح، وقال به طائفة وشرب النبيذ المسكر على قول أبي حنيفة طائفة، لو قال قائل هذا النبيذ المسكر ما فيه شيء، رأيت رجلا سكرانا قلت: أنت الآن سكران شربت؟ قال: شربت الآن نبيذ ما فيه شيء، فهل يعتبر كافرا؟ ما يعتبر هذا كافرا لأنه ما أحل المجمع على تحريمه.

لهذا في كلام الشيخ ابن باز رحمه الله في بعض أجوبته على الربا قال من اعتقد أن الربا كله حلال فهو كافر.

لهذا أهل العلم يقولون من اعتقد حِل ما أجمع على تحريمه -انتبه لهذا التأصيل- من اعتقد حِل ما أجمع على تحريمه فهو كافر ومن اعتقد حرمة ما أجمع على تحليله فهو كافر، والذي يحرم المجمع على حله هو الذي جرى فيه الكلام، والذي يحلل المجمع على حرمته هو الذي جرى فيه الكلام.

أسأل الله جل وعلا السلامة والعافية.

هذه المسائل لابد أنك تفهمها إذا كان ثم إشكالات على الضوابط التي ذكرت يعني على التنظير العلمي الذي ذكرته يورد حتى تتضح المسألة.

س/ السلام عليكم ما التفريق بين كون أن المشرع مستحلا للنظام أو عن هوى؛ المشرع الذي حكم عن هوى؟

ج/ أنت الآن ما فرقت الآن بين الحاكم والمشرع، فرق بين الحاكم والمشرع الذي عنده مادة يحكم بها والذي يشرع النظام ويلزم الناس به، فرق بينهما.

الحاكم الذي هو القاضي، القاضي جاءته مادة مخالفة حكم فيها بغير شرع الله، حكم بهذه المواد، هذا له حال.

وأما المشرع الذي بدل الدين مثل ما جاء في الحديث ?اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ? [التوبة:31] ، إذا شرع ليش يشرع خلاف الملة؟ يشرع خلاف الشريعة الإسلامية؟ يشرع لأنه يعتقد أن الشريعة غير كافية، وأن هذا التشريع أصلح، فإن هذا لاشك أنه كافر بالله المشرّع الذي يضع القانون.

أما الحكم به هذا يجري فيه الكلام.

نحن نقول من جهة التنظير، لا تنظر إلى جهة الحكم، هذا ليس مجلس حكم.

س/ الشهوات يبغى أنه يعني...

ج/ هذا ليس من جهة الحكم، إنما نتكلم على تحليل الحرام وتحريم الحلال، شيء في الشرع حلال مجمع على تحليله وهو حرمه يقول المرأة لا بأس أن تزني ما عليها شيء هذا كافر.

هو مثل ما ذكرت الذي هو مَا يعلم من الدين بالضرورة هذه مسألة ثانية.

لكن نقول هذا أُجمع على تحريمه واحد يأتي يحق عليه القانون أن الزنا ما فيه بأس ما تعاقب المرأة إذا زنت ما دامت راضية وهذا كفر بالله جل وعلا، لهذا النظام هذا كافر؛ لأنه أحل ما أجمع على تحريمه.

الحاكم به هذه مسألة ثانية، فالتنظيم -لذلك الشيخ محمد بن إبراهيم كلامه لم يفهم في هذه المسألة- بعضهم حمله على تكفير كل الفئات التي أنت الآن خلطت بينها، وهو الصواب أنه يفرق فيها ما بين حالة تشريع النظام والمشرع للنظام وما بين الحاكم به.

الحاكم به، هذا القاضي قد تغلبه شهوته، مثل ما قال ابن عباس: ليس الكفر الذي تذهبون إليه.

لكن إذا كان أن الحاكم القاضي حكم بهذا:

معتقد ما فيه شيء لأنه يحكم به هذا كافر.

معتقد أنه مساو لشرع الله هذا كافر.

اعتقد أنه أفضل من الشرع؛ الشرع ضيق على الناس، هذا أفضل نحكم بهذا أفضل؛ لأن فيه سعة على الناس.

لكن إذا حكم في قضية قضيتين، ولم يبدل الدين لكن حكم في قضية قضيتين ثلاثة عشرة خمسين وهو في قرارة نفسه أنه عاصي، وخالف أمر الله فهذا له حكم أهل الذنوب.

س/ لكن المشرع أحسن الله إليك ما ينظر إلى تشريعه أنه مصدر هوى، سبب تشريعه؟

ج/ وهل أُشرك بالله أو كفر بالله إلا من جهة الهوى؟ ?أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ? [الفرقان:43] ، يعني ليس كل مشرك كافر جاءه من جهة العلم الذي يؤدي إلى المعلوم بحجة واضحة ? إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى? [النجم:23] .

س/ أحسن الله إليك، تحريم ما حرم الله إذا [....] على سلطانه؟

ج/ أنت ما فرقت بين المشرع والحاكم المشرع شيء والحاكم، فرق المشرع شيء والحاكم شيء آخر.

المشرع للدين إذا شرع فهو كافر، إذا شرع للناس وضع مادة تخالف حكم الله فهذا كافر كفر أكبر مشرك ولا كرامة، جعل نفسه ربا.

أما الذي تلقى التشريع وحكم به، هذا يجري فيه الكلام إذا كان مستحل إذا كان أنه يعتقد أنه أفضل إذا كان يعتقد أنه مساوي إلى آخره.

أما الذي يشرع هذا لاشك في كفره ولو قال أنه غصبا علي، ما بعذر لأنه ما عذر في الشرك بالله إلا بالقتل، نعم لو جاء واحد على رأسه قال أنت فقيه أو أنت عالم بالقانون الفلاني إذا ما كتبت قتلناك، فهذا يجري فيه الخلاف؛ هل جري الإكراه في الفعل أم يعذر في الإكراه بالقول فقط؟ الصحيح أنه في القول والفعل جميعا هذا الذي يجري فيه التشريع مكره أما واحد جالس في التشريع مخالف لشريعة الله هذا كافر.

س/ الرؤساء إذا اجتمع فيهم الطرفين التشريع والحكم؟

ج/ أنا قلت لك الكلام اسأل عن التنظير، أما الحكام فما نسأل عنهم، ليش؟ لأن هذا حكم عليهم بالكفر أو بالإسلام، وهذا يترك لأهل العلم الراسخين، ومن الأخطاء الموجودة بين الشباب أنهم أهّلوا أنفسهم للأحكام التكفير، الذي هو أصعب باب في الفقه؛ يعني في الطهارة والحيض تسأله حرمة عن أحكام الحيض، ما يدري عنها لكن يأتي في الحكم بالكفر الذي إخراج من الدين، فتجده يتجرأ الحكم على المعين غير النظير، تنظير المسألة، الحكم على المعين يحتاج إلى أن تسأل أهل العلم فيه.

أما الاعتقاد الذي يسلم به دينك وتكون به كافرا بالطاغوت، ومتبرئا مما تبرأ الله جل وعلا منه، وتبرأ مما لا يرضي الله جل وعلا ولا يرضي رسوله هو التأصيل.

أما الحكم هذه مسألة ثانية، الحكم هذه يرجع إلى أهل العلم.

لكن أنت تعتقد أن من شرع غير دين الله فهو كافر، لابد أن تعتقد هذا، وأن من رضي ذلك فإنه كافر رضي فهو كافر، رضي هذا التشريع تقبله وهو راض به مسرور فهو أيضا كافر بالله جل وعلا لأنه شرح بالكفر صدره، وإذا تلقاه المتلقي ويقول: أنا أتلقاه عن ضرورة أنا عاصي أنا كذا هذا يأتي من جهة الحكم.

فالتأصيل لابد أن يضبط في هذه المسألة؛ لأن مسألة الحكم والتحاكم هذه ضلّ فيها أناس كثيرون، ما بين غال فيها وما بين جاف عنها.

فمنهم من جعل الباب كله واحد، لابد من الاستحلال سواء في التشريع أو في الحكم، وهذا غلط هذا باطل ومناقض لنصوص أهل العلم، ومناقض بل لنصوص الكتاب والسنة، الحاكم له حكم أمثاله، وأما المشرع فهو كافر بالله.

س/ القوانين الموجودة في كثير من البلاد الإسلامية منقولة، الواضح أنها كافرة، فنقلت إلى بلاد إسلامية، ما هو الضابط للحكام أو من يحكم بهذه القوانين، هل يعود للرؤساء أو للقضاة أو العاملين؟

ج/ ليست كلها منقولة، الآن فيه القانون المصري، فيه القانون السوري، فيه القانون كذا، فيه قانون به قوانين منسوبة إلى البلد ما هي كلها قوانين فرنسية وأمريكية، لا فيه هناك قانونيون شرعوا لبلادهم وضعوهم دستور تشريعات، هؤلاء كفار، مات أو حي، من شرع فهو قد كفر.

ولهذا في رؤوس الطواغيت الشيخ محمد إيش ذكر: الحاكم المغيّر -يعني الذي شرع- المغيّر لشرع الله. أن الذي قتل يقتل، لا، أنا أغيّر هذا للمصلحة، ونقول الذي يقتل متعمدا هذا، شيخ بدو أو رئيس حاكم دولة يقول أنا أغير الحكم، هل هو مشرع أو غير مشرع؟ هذا مشرع.

لكن من جاء للحكم مثلا، وعنده قوانين، هذا يطلع حاكم، إذا رضي بذلك فهو له حكم الكفرة.

على أنه ما ينظر في مسائل الواقع، ليش في الحكم ما تنظرون للواقع؟، لا ينظر إليها من هذه الجهة فقط، فيه جهة أعظم من هذا وهي تأييد الشرك بالله جل وعلا في العبادة، تأييد وجود الطواغيت ووجود المشاهد وإقامتها وبذل الأموال لها، وحمايتها، هذه أعظم من مسألة الحكم؛ لأن هذا أصل معنى لا إله إلا الله، ومسألة الحكم بعد ذلك.

ليس نظرنا من جهة الواقع نظرنا من جهة التأصيل؛ لأن هذه المسألة ضل فيها كثيرون من جهة عدم التفريق بين نظائرها.

حتى زعم بعضهم أن الجحد يكون بالفعل، وأن السماح ببنك ربوي أنه يدل على كفر الدول، هكذا لهذا الإطلاق، وفتح أوكار الربا -يعني مؤدى الكلام- أنه كفر بالله جل وعلا.

وهذا ما قاله المشايخ ولا قاله أحد من أهل العلم أن الفعل يدل على الاستحلال، ما فيه أحد يقول أن الفعل يدل على الاستحلال.

الاستحلال:

أولا: لابد أن يكون المستحل مجمع على تحريمه، ما يكون صورة مختلف فيها.

ثانيا: أن يكون الاستحلال بالقلب.

أما السماح سماح بفتح دور خمر، السماع بفتح دور ربا، السماح بشارع -نسأل الله العافية- فيه بغايا، هذا كله يُخشى أن يصل إلى الاستحلال.

لهذا الشيخ محمد بن إبراهيم لما سئل عن بعض البلاد التي فيها إباحة البغاء؛ يعني الدولة مسامحة بالبغاء، شارع معروف بالبغاء، مثل ما هو موجود في وقته في بعض البلاد: هل هو كفر؟ قال: يُخشى أن يكون كفرا.

ليش؟ لأن هذا فعل لا يدل بمفرده على الاستحلال، واستحلال الزنا أمر قلبي، فالفعل بظاهره لا يدل على الاستحلال الباطن، فلا يكفر إلا بالاستحلال، كذلك السماح بأمكنة تبيع الخمر هذه وحدها لا تدل على هذا الكفر.

لهذا في الدول الإسلامية دولة -الدول المتأخرة وفي أواخر الدولة العباسية- كان موجود أوكار معروفة للبغايا، وكان موجود أماكن لتصنيع الخمر ووجود الخمر في البلاد، وإذا نظرت إلى فتاوى شيخ الإسلام وإنكاره على كثير من المحرمات المجمع على تحريمها كما هو موجود في زمنه، وكذلك ما ذكره المؤرخون في أمثال ذلك، تجد أن مثل هذه الأمور كانت موجودة، وما منعها الوالي -يعني بعض الولاة- ولم يحكم فيها أهل العلم بأنها كفر وأن الوالي كفر بذلك، لا؛ بل يجب عليه أن يلغي ذلك، يجب عليه أن ينكر المنكر، فإذا لم يفعل فترجع إلى مسألة الاستحلال، هل يستحل ذلك أم لا؟ فإذا استحل مجمعا عليه صار كفرا، وإذا لم يستحل مجمعا عليه فننظر؛ إذا كان له شبهة -شبهة من جهة الدليل- أو اتبع فتوى عالم ولو كان هذا العالم مخطئ مائة خطأ في هذا العالم مخطئ مائة خطأ في هذه الفتوى؛ لكن هو اتبع فتوى عالم، يكون له حكم أمثاله من اتبعوا من أخطؤوا، ولو كان على هوى وشهوة ولم يستحل فله حكم أمثاله من العصاة.

فإذن المسألة تحتاج إلى تفصيل، لهذا تجد أن كلام الراسخين في العلم فيها غير كلام المتعجلين.

وهذا أصل مهم في طالب العلم؛ لأن طالب العلم يعرف بتحريه فيما يقول، أما إذا رأيت التعجل الذي يخبط في الأحكام دون تقعيد شرعي، هذا خاف منه؛ لأنه ما يكون بنى كلامه على تأسيس علمي، وهذه مسائل شرع، ولما ابتلي الناس في هذا الزمان بهذه الأمور -نسأل الله جل وعلا أن يبعدها عن بلاد المسلمين ويوفق من يزيلها-.

لما ابتلي الناس بذلك ظهرت الفتنة والفتنة من جهة الاعتقاد، وظهرت فرق كثيرة في بلاد مختلفة:

منها الغالي الذي يقول أن المجتمعات الآن لأجل مسألة الحكم بغير ما أنزل الله عادت جاهلية مطلقا.

ومنهم الجافي الذي يقول أصلا الحكم بغير ما أنزل الله أنه لا يعد في الكفرات.

فالناس بين هذا وهذا، والواجب اتباع كلام أهل العلم؛ لأن فيه اتباع الكلام من الهدى والرشاد والأمن من الزلل والغلط.

أسأل الله جل وعلا لنا وللجميع...

س/[هل يسأل الحاكم: هل تعتقد هذا أو لا تعتقد؟ حتى يحكم عليه؟

ج/ هذا يرجع إلى أهل العلم، العالم الذي سيفتي في المعين هو الذي يسأل، هل كذا أو كذا حتى يحكم عليه.

أما من جهة طالب العلم، هو عليه أن يعتقد في المسائل، الكفر ما هو، وما لا يكفر به ما هو، هذا الذي يلزمك أن تعتقده.

أما من جهة الحكم على المعين ما يلزمك، ولا يجب عليك أن تحكم، وليس مشروعا لك، وإنما المشروع لأهل العلم يعني لأهل الفتوى أن يفتوا في ذلك إذا سئلوا عنه.

س/ المشرع لا ينظر إليه كفره كفر اعتقادي أو عملي إنما هو اعتقادي؟

ج/ لا هو من الكفر العملي؛ لكن ليس معنى الكفر العملي أنه كفر أصغر، لا، هذا غلط.

بعض الناس فهم من الكفر الاعتقادي -السؤال جيد- الكفر ينقسم من جهة الخروج من الدين إلى: كفر أكبر وأصغر:

منه كفر أكبر مخرج من الدين.

ومنه كفر أصغر غير مخرج من الدين.

هذا تقسيم باعتبار الخروج من الدين وعدم الخروج.

وتقسيم آخر باعتبار آخر الكفر من جهة نوعه، هل هو راجع إلى الاعتقاد أو راجع إلى العمل:

كفر الاعتقاد/ هذا ينقسم إلى أكبر وأصغر.

وكفر العمل/ ينقسم إلى أكبر وأصغر.

فكفر الاعتقاد إذا اعتقد أنّ الحرام حلال فهذا كفر أكبر.

إذا اعتقد أن ولي نعمته هو فلان من البشر هذا كفر نعمة؛ كفر أصغر.

كذلك الكفر العملي إذا كان من جهته العمل -ليس من جهة اعتقاد القلب- جهته العمل فمن ذبح لغير الله ومن استغاث بغير الله هذا صورة الاستغاثة الظاهرة هذه كفر، هل هو كفر من جهة الاعتقاد أو من جهة الفعل؟ من جهة الفعل، الذبح لغير الله ذبح متقربا لغير الله هذا شرك أكبر، سجد للصنم هذا كفر شرك أكبر، هل هو من جهة الاعتقاد أو من جهة العمل؟ هذا من جهة العمل؛ نوعه.

وقد يكون الكفر العملي أصغر بأنواعه المعروف مثل الرياء، مثل كفر النعمة ?يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا? [النحل:83] ، هذا من فلان، وهذا الذي أعطاني فلان، ولولا فلان لحصل كذا ونحو ذلك مما فيه نسبة النعم إلى غير الله أو بذلها.

فهمت تأصيلي؛ لأنه وقع الإشكال ظن أن الكفر العملي أنه مساوي الكفر الأصغر، وأن هذا التقسيم اعتقادي وعملي أنه مساوي أكبر وأصغر، هذا غلط العملي ينقسم إلى أكبر وأصغر، والاعتقادي ينقسم إلى أكبر وأصغر.

س/ الاستخفاف بهذا الفعل هذا دليل على الاستحلال فإذن يكفر صاحبه؟

ج/ يعني الاستخفاف بالمعصية، الاستخفاف ما يدل على الاستحلال؛ يعني لو جاء واحد حط له خمر وبغايا -نسأل الله العافية- وجمع الناس تعالوا، وحط ليه حرس وقال الذي قرّب اضربوه، خلونا وفي حالنا، وفعل، هل فعله هذا كفر؟ ما في حد من أهل العلم يقول كفر؛ وإلا صار يكفر من لم تغلبه شهوته؛ لأن العاصي منهم عاصي يطلب المعصية ولو لم تغلبه شهوته، ومنهم من تغلبه شهوته، إذا قلنا أنه ما يكفر إلا من تغلبه شهوته صرنا حاصرين الذي يعصي وهو مقيم على الإيمان فيمن غلبته شهوته هذا باطل عظيم.

واحد جاء وصك عليه بيته وفعل وحرسه وجاء والذي يشكي يضربه ويعاديه، هذا شأن أهل المعاصي، وبعض أهل المعصية مثل ما قسم شيخ الإسلام أهل العاصي:

منهم من تغلبه شهوته.

ومنهم من هو مدمن عليها هذا استمرأها صارت عنده خفيفة -نسأل الله العافية- مثل شرب الماء.

ومنهم من تغلبه شهوته بمجرد ما يعمل العامل يعني بمجرد ما يعمل العمل وينتهي منه يراجع نفسه ويعظم عليه جدا هذا الذي غلبته شهوته.

وفيه ناس استمرؤوها وفعلوها ويطلبونها ويخططون لها، هؤلاء جميع الطافئتين من العصاة؛ لكن عصيان من غلبته أخف بكثير من عصيان من كان مستمرئا في ذلك.

هذه تأصيلات لابد أنها تصير واضحة، باقي شيء؟

س/ .... بغير الله أيضا استخفاف؟

ج/ أنت اضبطها أنه لا يكفر إلا كن اعتقد إباحة المحرم؛ يعني المحرمات من المعاصي، من اعتقد إباحتها بخلاف الأمور العملية التي يشرك بها، لا، لكن المعصية من اعتقد إباحة المعصية هذا يكفر أما من فعها ولو مستخف بها لكن يعتقد في داخله أنها حرام، هذا له حكم أمثاله من أهل المعاصي.

س/ المرابي يقيم عليه حد الحِرابة؟

ج/ المرابي! حد الحرابة!!، ما أحد قال أن المرابي قال، المرابي فيه حد الحرابة، آية الحرابة ?إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ? [المائدة:33] ، فالمحارَب هو الله والرسول، والربا قال الله جل وعلا ?فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ? [البقرة:279] ، والمحارِب هو الله جل وعلا، مختلف لا تدخل، ولا سمعنا أحدا يقول الربا يدخل في حد الحرابة، والربا ما فيه حد، كبيرة التعزير البليغ.

س/ الضابط في المسألة في التكفير، يشرّع واحد في المائة، أو يشرّع خمسين بالمائة أو مائة بالمائة.

ج/ لو واحد.

س/ الواحد قد يشرّع أمرا في بيته، يلزم أهله، هل يدخل في المرّع بدل دين الله؟

ج/ لا، هذا ما شرّع إيش معنى التشريع إذن؟ التشريع مثل ما ذكر: حرّم حلالا واعتقد حرمته، هذا الشيء هذا حلال إذا قال كدا هذا مشرع هذا كافر، هذا لا تقول حرام أو ليس حراما، نسويه وبس وأنت لا تتدخل في هذه الأمور، فهذا معناه ألزم الناس بشهوته، ما شرّع المشرع الذي يغير يقول هذا ليس بكذا هو كذا، هذا مشرع غيّر حكم الله المجمع عليه مع علمه بحكم الله يعلم أن هذا حكم الله ويغيره؛ لكن أصحاب المعاصي جميعا تراهم يعني يستكثرون إلا من هدى الله جل وعلا، حتى واحد مثلا في بيته يحاجه، بعض الأولاد يلجئ إلى أن يقول كلاما عظيما هذا ليس من البر، هذا الله جل وعلا قال لعباده المؤمنين ?وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ? [الأنعام:108] ، لهذا من قال كلاما ترتب عليه مسبة الله جل وعلا ومسبة رسوله من مؤمن أو تسبب على كفر وتسبب معصية وهو يعلم أو يغلب على ظنه أنه سيؤول إلى ذلك هو شريك في الإثم، الواجب المداراة وأنه يدخل في كلام ويقول كلاما باطلا أو قد يقول كلام كفر أو يستهزئ فداره بعض المنكر أهون من بعض، لا تؤده إلى أن يستهزئ، لا تؤده إلى أن يكفر، لا تؤده إلى أن يقول كلمة يزل بها أبعد ما بين المشرق والمغرب، خاصة إذا قريبا أب أو أخ، دارِه، إزالة بعض المنكر أهون، بعض يقيم على معصية أحسن يتلفظ بكلمة توبق دنياه وآخرته.

فالواجب على طالب العلم أن يكون بصيرا في دعوته، في مراتب المنكرات، وعلمه بحال المدعو، هل هو غضوب؟ هل هو يقبل؟ هل هو لين النفس؟ هل هو مستغفر؟ كل هذه مطلوب من أهل العلم أن يرعوها.

س/ هو يعتقد أنه حرام، هذا الأمر هو يهوى أنه يفعله أهله لكن من جهله يقول هذا حلال هو يعتقد حرمته؟

ج/ هو مجمع عليه؟

س/ هذا مجمع عليه هذا الأمر.

ج/ ويجعل أهله يعتقدون أنه..

س/ هو يعلم أنه حرام هو يعتقد أنه حرام.

ج/ إذا أطاعوه في ذلك.

س/ لا، لا ،حكم هذه الحال ؟

ج/ وهو ملتزم بالتحريم لكن غلبته شهوته على أنه قال على الله كذب؟

س/ نعم.

ج/ والله ما أدري.

س/ هذا الموضع كثير من الناس..

ج/ لا ليس حال كثير من الناس، أصل صورة المسائل تختلف لا تدخل صورة في صورة، كلام الناس والارتباط بين الاعتقاد والإظهار، وصور المظهرات تختلف بين مسألة ومسألة.

نسأل الله أن يتولى المسلمين برحمته.

في هذا القدر كفاية. صلى الله وسلم على نبينا محمد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت