فهرس الكتاب

الصفحة 2031 من 2735

لكن عند طائفة من المتأخرين انقلبت المسألة إلى أن العلم بالسنة هو العلم بالآداب في المشي واللباس والأكل، والسنة في توحيد الله وفي العقيدة والسنة في شرائع الإسلام العظيمة لا تُعلم أو تبدل وتغير، هذا في الحقيقة ليس من أهل السنة والجماعة لأنه وإن اهتم في الحديث بأشياء؛ لكنه أصل السنة هي ما بعث به الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، هو لم يبعث عليه السلام لم يبعث معلّما للناس كيف يأكلون وكيف يشربون وكيف يلبسون وكيف يمشون وكيف ينامون أو نحو ذلك، هو بعث للناس ليدعوهم إلى كلمة التوحيد لا إله إلا الله محمد رسول الله، بُعث للناس للإيمان بالله والكفر بالطاغوت، وهذه المسائل من سنته منها ما هو واجب -يعني مسائل الآداب- ومنها ما هو مستحب ومنها ما هو من خصائصه، فالعلم بها مطلوب والعمل بها مطلوب شرعا؛ لكنها ليست في منزلة توحيد الله جل وعلا، ولا العلم بأحكام الطهارة والصلاة والعبادات وحقوق الخلق وما أشبه ذلك.

فحقيقةً العلم والعمل بالسنة إنما هو العلم والعمل بما يستحقه الله جل جلاله في توحيد عبادته وربوبيته وأولهيته وأسمائه وصفاته ومسائل الإيمان والقضاء والقدر ومسائل اليوم الآخر، وهذه المسائل العظام التي بها نور الإيمان بها نور الصدر والخروج من الابتلاء بالإيمان بالنبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ؛ لأنه بعث للابتلاء: إنما بعثتك لأبتليك وابتلي بك.

هذه أعظم المسائل، فالعلم بالسنة -دراية السنة- أن تهتم بمسائل التوحيد والعقيدة في السنة وأن تحفظ الأدلة فيها في كتاب الله جل وعلا وفي سنة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المبينة للقرآن، وأن تعلم مكان الاستدلال من الدليل، هذه دراية السنة فقه السنة، ثم إذا انتهيت من توحيد العبادة توحيد الأسماء والصفات، ثم عد ذلك مسائل القدر والإيمان، تعلم هذه شيئا فشيئا، هذا هو العلم بالسنة وهو الاهتمام بالحديث.

يعني مثلا قد يأتي طالب العلم ويكون مهتما بالسنة بالتخريج وفي معرفة الصحيح والضعيف؛ لكنه الأحاديث الواردة في التوحيد قد ما يعرف فقهها، والأحاديث الواردة في الأسماء والصفات، في القدر، في الإيمان، لا يعرف حسن توجيهها، هذا فيه نقص في العلم بالسنة.

ولهذا أحسن ابن القيم لما ذكر رحمه الله في الأبيات المشهورة لما ذكر العلوم قال فيها:

والجهلُ داء قاتلٌ وشفاؤه أمران في التركيب متفقانِ

نص من القرآن أو من سنة وطبيب ذاك العالم الرباني

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت