فهرس الكتاب

الصفحة 2052 من 2735

القسم الثالث: التواريخ التي مال أصحابها في النقد؛ نقد الروايات وتمييز الروايات بحسب ما هيئ له، وهذه المدرسة جاءت متأخرة بعد ابن الأثير وهي مدرسة الحافظ الذهبي وتبعه عليه بأكثر منه دقة ابن كثير في البداية والنهاية، وكتابه البداية والنهاية يعتبر من أحسن كتب التاريخ انتقاء.

ولكن هذه الكتب جميعا يعاب عليها أشياء: أولا أنهم ينقلون التاريخ الذي حصل من جهة الوقائع والحروب والجهاد والدول والفتوح والخلافات والفتن، ولا ينقلون التاريخ الحسن الذي كانت عليه الدول، فيذكرون مثلا في السنوات يقولون مثلا: دخلت سنة سبعين وفيها حصل كذا وكذا فيذكرون ما حصل مما نقل من الأشياء التي خرجت عن مألوف الناس، وهي الحروب وما حصل من الخلافات، نزع خليفة وموت القائد أو الحروب للأعداء وفتوح جهادية ونحو ذلك؛ لكن لا يذكرون التأريخ الذي نمت به المجتمعات المسلمين في الأمور الحسنة مثلا في العلم وفي التنظيمات الإدارية وفي التنظيمات العلمية ونحو ذلك.

ولاشك أن الحقبة، مثلا إذا أخذت الحقبة الأموية فإنها تميزت بأمور كثيرة:

أولا تميزت بالفتوحات الإسلامية الكثيرة.

الثاني تميزت بكثرة الفتن في داخلها المتعاقبة من خروج من خرج واعتراض من عارض ومن حصول القلاقل واختلاف القواد وانشقاقات كثيرة فيها.

والقسم الثالث الحركة التنظيمية الكبيرة في الدولة التي نظمت فيها الدواوين ونظمت بها المدارس، ونظمت بها كما في العرف المعاصر الوزارات، ونظمت بها حياة الناس، ونظم بها العطاء، ونظم بها الإقطاع، ونظم بها أشياء كثيرة.

فهذه كلها إذا نظرت للتاريخ فإنه يتعرض للأول والثاني، أما الثالث فتكاد لا تجد عنه خيرا إلا بخبر تلوى خبر ينتزعها من خلال سنين كثيرة أو في ترجمة بعض العلماء أو فيما يرد على استحياء.

وهذا في الحقيقة أفقدنا الحركة التاريخية التي هي متّصلة بالناس اتصالا وثيقا، أما الحروب الفتن فهي التي برزت في التاريخ، أكثر ما تجد الحروب والفتن التي بين الخلفاء والولاة وبين القواد والفتن والقلاقل والانشقاقات التي حصلت، ثم الأقل منها الحركات الجهادية، حتى إذا أتى للجهاد فإنه يقول فتح كذا، ولا يأتي تفصيل كثير يعني بقدر التفصيل الذي يكون في الفتن والخلافات التي حصلت.

وهذا لاشك من مآخذ التاريخ وهذا لا يعني أن هذا هو التاريخ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت