ولهذا الإمام أحمد رحمه الله تعالى لما سئل عن القدر قال: القدر سر الله في خلقه. ولهذا كان الإيمان بأن الله جل وعلا قدّر ما قدّر، وأن كل شيء يحصل إنما هو بقدر من الله جل وعلا كان الإيمان بذلك فرضا؛ لأن الإيمان بذلك هو الإيمان بأن الله جل وعلا هو المتقدّس وهو العظيم وهو الجبار، وأن هذا الملك كلَّه بيده يصرّفه كيف يشاء لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.
فالإيمان بالقدر ضروري للقلوب لصلاحها، وضروري للمجتمعات لصلاحها، ولهذا كان فرضا على الناس أن يؤمنوا بأن الله جل وعلا قدّر كل شيء، وأن يؤمنوا ما أصابهم لم يكن ليخطئهم، وما أخطأهم لم يكن ليصيبهم، وما أبردها من عقيدة، وما أحسنها وما أبردها على القلب، ماء باردا عذبا زلالا، من آمن بذلك وصدق رضي بكل ما جاءه من عند الله جل وعلا، يشكر في السراء يشكر في السراء، ويصبر على الضراء، ويعلم أن الجميع من عند الله جل وعلا.
والله جل وعلا ذكر وبيّن لعباده أن كل شيء بقدر، وأن كل شيء عنده بقدر، فقال جل وعلا ?إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ? [القمر:49] كل شيء خلقه الله جل وعلا بقدر؛ يعني على وفق قدر سابق منه جل وعلا، لم يأت هكذا إنما على قدر مقدور من الله جل وعلا، وكما قال في الآية الأخرى ?سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا? [الأحزاب:38] ، وقال جل وعلا ?ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى? [طه:40] ، يعني لم يكن إتيانك هكذا إنما كان بقدر سابق؛ لأن الله جل وعلا له الحكمة في مجيئك، وله الحكمة لمواعدتك، ولهذا فإن الخير كان عظيما في مواعدة موسى وفي مجيئه، وفيما حصل له من القصة المعلومة المفصلة في سورة القصص وغيرها.
ويقول الله تبارك وتعالى مثتيا على نفسه ?تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (1) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا? [الفرقان:1-2] .