إذن ما دام أن الله جل وعلا أخبرنا بذلك في كتابه فواجب أن نصدق وأن نؤمن بما أخبر الله جل وعلا به، فهو العالم بذلك كله، وهو الذي فرض علينا أن نؤمن بهذا، ولأن الإيمان بالقدر راجع إلى الإيمان بالله تعالى، ومما هو معلوم أن إيجاب الإيمان بالقدر لم يأتِ تصريحا في كتاب الله جل وعلا وإنما أتى في السنة؛ ولكنه مضمن في كتاب الله؛ لأن أركان الإيمان التي جاءت في كتاب الله من جنس المذكورة في قوله تعالى ?آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ? [البقرة:285] ، فالإيمان بالقدر راجع إلى الإيمان بالله؛ لأن من آمن بأن الله هو المتصرف بكل شيء وأن مقاليد كل شيء بيده وأن الخليقة هو خالقها جل وعلا وأنما شاء في هذا الكون واقع وأن ما شاء في هذا الكون واقع، وأن ما لم يشأه الله جل وعلا لم يكن، كل هذا راجع إلى الإيمان بالله وهو حقيقة الإيمان بالقدر، ولهذا إنما جاء في سنة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من إضافة ركن الإيمان بالقدر، إنما هو تبيين وتفصيل لما جاء في كتاب الله، وهو إيمان بما بيّن الله جل وعلا في كتابه من أن كل شيء خلقه بقدر سبحانه وتعالى.
فالإيمان بالقدر ماذا نعني به؟ ماذا نعني نحن أهل السنة والجماعة حينما نقول نؤمن بقدر الله جل وعلا؟
نعني بذلك أنّ الله جل وعلا علِم هذه الأشياء، وعلِم الأشياء جميعا قبل وقوعها وقبل حصولها وقبل خلقها، عِلمه بها أزلي، عِلمه أول سبحانه وتعالى، يعلم جل وعلا ما كان، ويعلم ما سيكون، ويعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون كما قال جل وعلا ?وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ? [الأنفال:23] ، يعلم ما لم يكن لو كان لو حصل أنه أسمعهم كيف يكون إذن الحال؟ لتولوا وهم معرضون.