فإذن معنى الإيمان بالقدر أن تؤمن بأن الله جل وعلا عالم بكل شيء قبل خلق السموات والأرض، وعلمه بهذه، وعلمه بكل شيء، وعلمه بهذه الأشياء التي تراها حادثة أمامك، علمه بذلك أول علمه بذلك أزلي ليس له بداية؛ لأن الله جل وعلا من صفاته الذاتية أنه عالم جل وعلا بكل شيء، ولهذا أثنى على نفسه بقوله ?وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ? (1) ، وبقوله ?إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا? [النساء:32] ، فقوله ?بِكُلِّ شَيْءٍ? أي بكل معلوم، المعلومات التي كانت، أو المعلومات التي تكون الآن، أو المعلومات التي ستكون، أو المعلومات التي علم الله جل وعلا أنها لا تكون لو كانت تلك المعلومات واقعة كيف تكون، وذلك لأجل تمام علم الله تبارك وتعالى وتمام علوه في أسمائه وصفاته جماله في أسمائه وصفاته.
فالله جل وعلا إذن عالم بكل شيء كما مدح نفسه وأثنى على نفسه، ?وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ?، وقوله ?بِكُلِّ شَيْءٍ? هذا عموم كما ذكرته لك لا يخرج منه شيء، عالم بالكليات جل وعلا وعالم بالجزئيات، لا يخفى عليه خافية، ?وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ? [يونس:61] ، والله جل علا بكل شيء عليم، هذا العلم سابق، هذا العلم أوّل.
فالله جل وعلا لما أراد أن يخلق السماوات والأرض وأن يخلق الخليقة أمر القلم أن يكتب بما كان في علمه السابق، فأمر القلم أن يكتب؛ فجرى القلم بمقادير الخليقة قبل أن يخلق السموات والأرض.
ثم هو جل وعلا لما كتب هذه أراد أن يُنفذها فخلق وشاء فأنفذ ما أنفذ، وأول ذلك السموات والأرض في الأمر الذي نشاهده ونعلمه، وإلا فإن فعل الله جل وعلا ليس له أول وفعله الله جل وعلا ليس بمحدود.
(1) البقرة:282، النساء:176، النور:35، النور:64، الحجرات:16، التغابن:11.