فهرس الكتاب
أما الكلام في الولي وما يختلف الناس فيه في المسائل التي فيها دليل ظاهر بين فالخطأ ظاهر والصواب ظاهر لأجل ظهور الدليل في ذلك.
وأما المسائل الاجتهادية وهي التي تكون فيها النوازل أو يكون فيها الدليل فيها غير ظاهر مما يحصل فيه الخلاف عمن طريق الاجتهاد، فهذه قد اختلف السلف وما عاب بعضهم بعضا.
ولهذا نقول: إن طالب العلم يجب عليه أن يتحرى الحق، وأن لا يستعجل إذا اشتبه عليه الأمر، ثم ينظر إلى تحقيق المصالح الكبرى ودرء المفاسد، والناس طلبة العلم قد يتقاربون في فهم الأدلة وفي فهم المسائل؛ لكن قد يختلفون في أمرين:
أما الأول في تحقيق المناط، وما من مسألة شرعية نازلة إلا والنظر فيها يكون من جهتين -كما قال الشاطبي- في الموافقات:
الأولى من جهة محل الدليل يعني من جهة الدليل في نفسه وما دل عليه.
والثانية في تحقيق المناط وهو إدراك المسألة لإلحاقها وجعلها تحت دليل، فإذا كان الدليل موجودا ولكنه لم يدرك تحقيق المناط فيها وقع الاختلاف، وأكثر ما يقع الاختلاف في النوازل وفي الأمور الاجتهادية هو في تحقيق المناط، هل هذه تلحق بهذا أو تلحق بهذا، وهنا يتفاوت أهل العلم والنظر في ذلك، فإذا وقع هذا الأمر فإن المسألة، إذا كان ليس فيها دليل ظاهر بين فإنه لا مشاحة في أن يختلف الناس أو يختلف طلبة العلم أو يختلف العلماء، الأمر فيه سعة وينصح بعضهم بعضا ويناصح بعضهم بعضا حتى يصيروا إلى أمر؛ لكن ينبغي أن لا يتكلم الواحد والواحد في هذه المسائل الاجتهادية والنوازل؛ بل تكون هذه من اختصاص الهيئات واختصاص مجموعة من أهل العلم يجتمعون ويبحثونها ويسدد بعضهم بعضا فيها؛ لأن من سنة السلف كفعل عمر أنه إذا جاء فيه مسألة جمع لها أهل بدر، وهو الخليفة الراشد، وهكذا كان كثير من أهل العلم يستشير ولا يستقل بالأمور في الأمة.
فإذا وقع اختلاف في المسائل الاجتهادية، قد يكون فيه سعة؛ لأن هذا نص وقصده خيرا إن شاء الله في بابه وهذا نظر من جهة وقصده خير إن شاء في بابه؛ لكن ما ينبني عليه عمل، وينبني عليه مصير الأمة، فإنه يجب أن يكون لعلماء الأمة الكبار يجتمعون ويصدرون عن رأي واحد في ذلك، وأن لا يكون هذا لأفراد طلبة العلم لأنها إذا حدثت الفتن والنزاعات والأقوال لما يترتب عليه عمل، فإن هذا يكون مدعاة لحدوث أشياء.