فهرس الكتاب

الصفحة 216 من 2735

الصفة الثانية للشريعة الربانية أو القيم الإسلامية وكونها من الرب جل جلاله؛ الصفة الثانية الشمولية فهي شاملة لكل مناحي الحياة، تدخل القيم هذه والأخلاق مع الإنسان في بيته في عمله في علاقته مع أهله، في علاقته مع الآخرين، حتى علاقته مع الأنظمة وما يسن من التنظيمات الإدارية، في علاقته مع دولته، في علاقته مع الخلاف الموجود، في علاقته مع الآراء الأخرى التي تُطرح في المجتمع، كل مجتمع له حركة -مثل ما ذكرنا- ينتج عنها اختلاف في الآراء، فالقيم الإسلامية شاملة في تهذيب وتخلُّق الشاب بكل ما يجعله عضوا صالحا في المجتمع ويبتعد عن ما يؤخذ عليه.

ولهذا توصف بأنها شمولية لا تختصُّ بميدان دون ميدان، فهي تربية كاملة تُفْضِي إلى توازن هذا العبد المكلَّف من الله جل وعلا، وقد قال سبحانه ?قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ? [الأنعام:162-163] ، من تأمل المصنفات التي صنفها أهل الإسلام في كتب الحديث وكتب الفقه والآداب وجد أن حياة المسلم من أن يستيقظ من نومه حتى ينام مرة أخرى أنها كلها مترددة ما بين حكم يطلق عليه واجب أو محرم أو مكروه أو مستحب أو مباح، فلا يمكن أن يخلو حال من الأحوال إلا وله حكم بحسب ما ألف علماء الإسلام ونقوله من النصوص في ذلك أو من فقه النصوص.

من صفاتها أيضا أنها تتسم -القيم الإسلامية- بالوسطية والتوازن ورعاية متطلبات الواقع، قال جل وعلا في وصف الأمة وفي وصف تشريع الإسلام ?وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا? [البقرة:143] ، فأمة الإسلام وسط لأن الشريعة ربانية وهي وسط؛ وسط في أبواب العقيدة، ووسط في أبواب الحكم والتحاكم، وأيضا وسط في أبواب الأخلاق.

فإذا نظرنا إلى الأخلاق التي ينشدها مثل بوذا ونحوه والأخلاق التي يروج لها اليهود وجدنا أن الشريعة في هذا الأمر وأنها وسط في الأخلاق ما بين الذي يغلو في تنزيه النفس حتى يُفقدَها المرونة والانطلاق في المجتمع وما بين الذي يجعل أن الأخلاق هي السيطرة والقوة دون رعاية لجانب الخلق الكريم والقيمة التي يحب الناس أن يتعاملوا مع بعضهم البعض فيها.

قال القرطبي رحمه الله عند هذه الآية: وسط الوادي خير موضع فيه وأكثره كلأ وماء، ولما كان الوسط مجانيا للغلو والتفصيل كان محمودا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت