أما حقيقة هذا التوحيد الذي يحصل به تكفير الذنوب، فإنّه ألاّ يُعبد إلا الله جل وعلا، وأنْ يعلَم العبد معنى الشهادة لله بالوحدانية ولنبيه بالرسالة. التوحيد الذي من فضائله وآثاره أنّه يكفّر الذنوب هو أنْ تعلَم معنى هذه الشهادة لا إله إلا الله محمد رسول الله، وأنْ تشهد بها مُعْلِنا غير مستخْفٍ بهذه الشهادة العظيمة، لهذا ثبت في الصحيحين من حديث عُبَادة بن الصامت رضي الله عنه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال «مَنْ شَهِد أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاّ الله, وَأَنّ مُحَمّدا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ, وَأَنّ عِيسَىَ عَبْدُ اللّهِ وَرَسُوله وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا عَلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ, وَأَنّ الْجَنّةَ حَقّ, وَأَنّ النّارَ حَقّ, أَدْخَلَهُ الله الْجَنّةَ عَلَى مَا كَانَ مِن العَمَل» ، وفي رواية قال « حَرّمَ الله عَلَيْهِ النَّار» فمن شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فأول هذه الفضائل بأن حقق التوحيد أو يعني شهد شهادة التوحيد بأقل درجاتها كما سيأتي بيانه، فإن فضل التوحيد عليه أن الله جل وعلا يُدخله الجنة وَعْدًا منه جل وعلا ووعده الحق والصدق، وأنّ الله يحرم عليه النار وعدا منه جل وعلا ووعده الحق والصدق، وجاء في الصحيحين أيضا من حديث عِتبان بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في بيان فضل الشهادتين «إنّه مَنْ قال لا إله إلا الله أو من شهد أنه لا إله إلا الله وأني رسول الله حرم الله عليه النار» وفي لفظ أيضا «أدخله الله الجنة على ما كان من العمل» من جنس ما جاء في حديث عُبادة، وهذا كله من الفضل العظيم والأثر الكبير للتوحيد.
وهنا وقفة في هاتين المسألتين:
(أما الأولى: فما معنى كوْن هذا التوحيد -وهو عبادة الله وحده لا شريك له، والبراءة من الشرك وأهله، والكفر بالطاغوت، وترك الشرك كبيره وصغيره- ما معنى أنّه يَدخل الجنة على ما كان من العمل؟
(وما معنى أن الله حرّم عليه النار؟
هاتان مسألتان.
أما الأولى وهي أنّه يدخل الجنّة على ما كان من العمل، فإن أهل التوحيد مآلهم إلى الجنة؛ والتوحيد أهله فيه أصناف: منهم من حقق التوحيد، منهم من خلط مع التوحيد عملا صالحا وآخر سيئا، ومنهم من جاء بالتوحيد ومعه ذنوب كثيرة جدا.