فهرس الكتاب

الصفحة 2209 من 2735

وهذا يُرَغَّب فيه كلُّ أحد، ويَرْغَب فيه كل أحد منّا ممن لا يأمن على نفسه المعصية والذنب وممن يغشى الذنوب أو تَقِلُّ عنده الحسنات، وكلما زاد علم العبد بربه كلما علم أنه محتاج لما يخلصه من الذنوب والآثام، ومن قلة الامتثال للواجبات، وأعظم ذلك هو الإخلاص وتوحيد الله جل وعلا علما وعملا وانقيادا، لهذا «قال موسى عليه السلام لربه جل وعلا: يا ربّ علمني دعاء أدعوك به أو أذكرك به، قال: يا موسى قل لا إله إلا الله. فقال موسى عليه السلام: يا رب كل عبادك يقول هذا -أو يقولون هذا، يعني أراد شيئا يختص به؛ لأنّه ظنّ أنه كما أنه من أولي العزم من الرسل، وأنه كليم الله، وأن الله أعطاه التوراة، فإنّ هناك شيئا خاصا يدعو الله ويذكر الله به - فقال جل وعلا له: يا موسى لو أنّ السموات السبع وعامرهن غيري، والأراضين السبع في كفة، ولا إله إلا الله في كفة، ما لت بهن لا إله إلا الله» وهذا الحديث فيه فوائد عظيمة، الفائدة الأولى: فيه بيان فضل كلمة التوحيد، وأنّ الله جل وعلا من منته وكرمه وتفضله جعل الكلمة العظيمة ذات الفضل العظيم التي ترجح بالسموات ومن يعمرها وترجح بالأرض ومن فيها، جعلها كلمة سهلة متاحة للجميع لمن علمها وشهد بها شهادة الحق، وهذا من رحمة الله جل وعلا المتصلة بربوبيته والمتصلة بألوهيته والمتصلة بأسمائه وصفاته، كيف ذاك؟ رحمة الله جل وعلا بعباده في آثار كونه، سبحانَ ربًّا لهم أنْ جعل الرِّزق الذي به قوام حياتهم ليس مختصا بفئة منهم، الرِّزق الذي به قوام الحياة شائع؛ يناله الغني ويناله الفقير، الماء والحب، البُرّ والتمر ونحو ذلك بحسب البلد، يكون شائعا؛ ليس نادرا في بلد أو في أرض حتى لا يُدرك هذا الشيء إلا الأغنياء أو إلا الشرفاء أو إلا قلة الناس، ربوبية الله جل وعلا على خلقه العامّة جعلت ما يحتاجونه بما به قوام حياتهم جعلته شائعا بينهم؛ يمكن تحصيله، وكذلك في توحيد إلهيَّته جعل من رحمته أنّ ما به يُحقّق العباد، توحيد الإلهية يشترك فيه الجميع بأبسط شيء وهو كلمة لا إله إلا الله، ونبّه الله موسى عليه السلام على ذلك ليبيّن له أنّ ما يحتاجه العباد من فضل التوحيد لا يختص به الأنبياء، ولا يختص به الرسل، ولا يختصّ به أولي العزم، ولا يختصّ به كليم الله جل جلاله، وإنما هذا شائع، (قال موسى: يا رب كل عبادك يقولون هذا) فدل هذا أن رحمة الله بعباده أدركتهم في ربوبيته لهم وفي ألوهيته لهم وفي أسمائه وصفاته

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت