فهرس الكتاب
فنبههم النبي صلى الله عليه وسلم على أنّ العموم في هذه الآية عموم مراد به الخصوص، وهو أحد الأنواع الثلاثة وهو ظلم العبد في حق ربه بالشرك بالله جل وعلا، الذي هو أعظم أنواع الظلم (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) ، وهذا هو معنى الإتيان بالتوحيد والبراءة والخلوص من الشرك، فإنّ هذا يحصل للعبد به الأمن والاهتداء.
لكن الناس في التوحيد درجات، كذلك في الأمن والاهتداء هم أيضا درجات، فكلما كمَّل العبد توحيدَه، وكمَّل العبد خلوصه وبراءته من الشرك علما وعملا في التوحيد، وعلما وعملا في براءته في خلوصه من الشرك، كلّما كمّل الله له الأمن في الدنيا وفي الآخرة وكمل الله له الاهتداء في الدنيا والاهتداء في الآخرة.
يأتي قائل ويقول: الأمن في الدنيا فهمناه؛ الأمن النفسي، والأمن ألاّ يعتدي عليه أحد، وقوّة القلب، والأمن في المجتمع، وأمن الدولة، وأمن البلد، هذه كله يدخل فيه، كذلك الهداية في الدنيا بالتوفيق إلى الصالحات، ورؤية الحق حقا، والمنّة من الله على عبده باتّباعه، ورؤية الباطل باطلا، والمنّة من الله لعبده باجتنابه، هذا أيضا مفهوم، الأمن في الآخرة بعدم الفزع، وعدم الحُزن والحَزن وبعدم دخول النار أيضا مفهوم، لكن كيف تكون الهداية في الآخرة؟ ألم ينقطع التكليف؟ انقطع التكليف، فهل في الآخرة هداية، لأننا نقول أمن وهداية في الدنيا والآخرة، كيف تكون الهداية في الآخرة؟ قال جل وعلا ?وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (4) سَيَهْدِيهِمْ? يعني بعد القتل ?وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (5) وَيُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ? [محمد:4-6] ، جعل هنالك ثلاث مراتب:
أولا القتل.
ثم يهديهم الله جل وعلا.
ثم يدخلهم الجنة.
هذه الهداية هي الهداية في الآخرة، فسَّرها أهل العلم بالتفسير وأهل العلم بالتوحيد، بأنّها الهداية بسلوك الصراط حين وُرود الظلمة؛ لأنه قبل الصراط هناك الظلمة التي يلتبس فيها الطريق، فربما مرّ الإنسان أو ذهب يريد هذا الطريق؛ يريد طريق الصراط لكنه يسقط في النار -والعياذ بالله-، أو يمشي في الصراط قليلا ثم يضل، لا يعرف كيف يتجه؛ لأنه فيه ظلمة وليس عنده نور تام، ينقطع منه النور الذي هو بسبب توحيده، ثم بعد ذلك يسقط.