فهرس الكتاب

الصفحة 2545 من 2735

ولهذا ذكروا أن الإمام أحمد قال عن نفسه: ما تزوجت إلا بعد الأربعين.

قال أصحابه لأنه كان مشغولا بالرحلة قبل ذلك، رحل إلى مكة ومنها إلى صنعاء، وله في ذلك قصة وهو أنه ذهب مع يحيى بن معين صاحبه إلى الحج وقال ليحيى: إذا فرغتُ من الحج فإني سأذهب إلى اليمن للقاء عالم اليمن ومحدثها عبد الرزاق بن همام الصنعاني -المتوفى سنة 210هـ-.

فلما وصل إلى مكة كان عبد الرزاق في الحج تلك السنة، فلقيه يحيى وعرفه، لقيه وهو يطوف فعرفه وسلم عليه، وقال يحيى لعبد الرزاق -وكان يعرفه- قال: هذا أحمد بن حنبل. فصُر به عبد الرزاق فقال: قد بلغنا عنه أنه صاحب خير.

فلما صليا ركعتي الطواف قال يحيى للإمام أحمد: يا أحمد قد ذهبت عنا مؤنة السفر إلى صنعاء، فهذا عبد الرزاق فهلم بنا نلازمه حتى نأخذ عنه الحديث. فقال أحمد ليحيى بن معين: قد مضت نيتي ولن أخلفها، فسأرحل إلى صنعاء.

وهذا من أثر الرغبة في التنسك والسعي في طلب العلم، والرحلة إلى صنعاء في ذلك الزمان ليست على سيارات فاخرة أو في طائرات ونحو ذلك، وإنما كانت من المشقة بالدرجة التي لا توصف.

لهذا معروف في هذه الكلمة: رأيت أحمد بن حنبل فتى عليه آثار النسك. وهذا في الحقيقة هو الذي ينبغي أن يكون عليه الشباب والفتيان بأنهم يعاهدون أنفسهم في إصلاحها في فترة الفتوة وفي فترة الشباب؛ لأن هذه الفترة إن لم يكن عودها على الصلاح والنسك فإنها تستعصي بعد ذلك إلا ما شاء الله جل وعلا، ومن تنسك في شبابه وفي صباه رجي له الثبات، وهذا يعني أن الانتساب غلى التدين وإلى الطاعة ليست كلمة أو انتساب هكذا بالفخر أو بالظاهر، وإنما لابد فه من التنسك لابد فيه من العبادة لابد فيه من الطاعة.

ولهذا يأتي فيما نستقبل أنّ الإمام لاقى مرة أحد أصحاب الحديث هو عبد الصمد بن سليمان، فلما أضافه في بيته وحان موعد النوم قرَّب له ماء ليتوضأ منه أو ليستعمله ونام، فلما أتى الصباح ورأى الإمام أحمد هذا الماء لم ينقص فسأله، فقال: لم أستعمل الماء. قال: صاحب حديث وليس له ورد في الليل. يعني إلى الصباح ولم تقم الليل ولم تتعبد ولم تصلّ ركعتين. قال: إني مسافر. قال: ولو كنت مسافرا. يعني أين الوتر؟ أين بعض الصلاة؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت