الإمام أحمد رحمه الله إذا تكلم ربما أجتمع مع إخوانه، ربما اجتمع مع أصحابه، ربما اجتمع مع تلامذته، ربما اجتمع مع الناس فتكلموا في أنواع من الكلام؛ لكن هو لا يتكلم إذا كان كلامه في خير، وهذا الخير هو ما يعطي فيه علما أو يأمر فيه بمعروف، قال (وإذا ذكر العلم تكلم) وهذه في الحقيقة جُربت، وهو أن القلب لا يمكن أن يعي أشياء كثيرة من المتناقضات في شخصية الإنسان، فطالب العلم ينبغي له أن يوطِّن نفسه على أن يكون للعلم أولا وآخرا وأن يبتعد عن اللهو وعن إضاعة الوقت وأنه إذا فكر فكر في العلم وإذا تكلم تكلم في العلم، وهذا يعطي حياته إقبالا على العلم ورغبة فيه، ولهذا يختلف منطق فلان عن منطق آخر لم؟ لأن هذا عاش لغة أهل العلم، عاش مع الصحابة، عاش مع التابعين، عاش مع مالك والشافعي وأحمد وسفيان، عاش مع البخاري، عاش مع الأئمة كابن خزيمة وشيخ الإسلام بن تيمية، وعاش أئمة الإسلام ونطقه منطقهم لأنه يحاورهم ولأنه يغرف من بحار علمهم، أما إذا كان السماع من كل ما يتكلم فيه الناس، ويتكلم أيضا بما يسمع يقرأ ما هب ودب ويتكلم بما يقرأ، فلابد هذا أن يؤثر على قلب المسلم بعامة بل يؤثر على قلب الخاصة وطلاب العلم.
وهذا يعني أن المرء ينبغي أن يلاحظ نفسه وأن لا يجعل قلبه موردا لكل شيء، ولكن يحدد طريقه ويبين لنفسه منهجها، وثم يسلك ذلك، وأعظم المناهج منهج وراثة النبوة الذين قال فيه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ «ألا إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر» لهذا ما أعظم أن يفكر المرء إذا فكر في دينه بالعلم بما ينتفع به، وإذا تكلّم تكلم في أمر ينفعه في دينه؛ في أمر بمعروف، في صدقة، في خير، في تعليم علم، في تعلم، حتى في محاوراته يكون رغبه في طلب العلم.
ولهذا يَسْمُو المرء إذا قوي على نفسه، والنفس ترغب في كل شيء فلا تجعلها كما ترغب بل اجعلها كما يطلب الله جل جلاله منك.
[الموعودي] من أصحاب أحمد ومن تلامذته الذين نقلوا عنه مسائل كثيرة، قال للإمام أحمد رحمه الله ورحمهم أجمعين قال للإمام أحمد: يا أبا عبد الله ما أكثر الداعي لك -يعني الذين يدعون لك- فالتفت إليه فقال: أخاف أن يكون استدراجا.
يقول له تلميذه وهو صادق فيما قال: يا أبا عبد الله ما أكثر الداعي لك. قال: أخاف أن يكون استدراجا.