فهرس الكتاب

الصفحة 2553 من 2735

كان أحد أصحاب الإمام أحمد يختلف إلى الحارث المحاسبي فقال للإمام أحمد: إن الحارث يقول كذا ويقول كذا وفيه من الخشوع والصلاح والطاعة، فقال أحمد: متى يأتيك؟ قال: يأتني بعد المغرب. فقال: إذن سآتي واجعلني في مكان أسمع كلامه ولا يراني. فأتى الإمام أحمد واختفى ولما صلوا المغرب جلسوا فقدم لهم طعاما،ثم صلوا العشاء وجلسوا يعني رجعوا وجلسوا في البيت، ثم جلسوا مدة لم يتكلم الحارث فيها وإنما كان متخشعا عليه آثار الخوف والخشوع والطاعة، فسأله أحد أصحابه سؤالا فتكلم بكلام أهل السلوك والرقائق، فظل يتكلم وأصحابه منهم من تخشع ومنهم من بكى، قال هذا الرجل صاحب الإمام أحمد فصعدت إلى أحمد لأرى فإذا هو يبكي، فقلت: يا أبا عبد الله كيف الذي سمعت؟ قال: ما سمعت كلاما أحسن من هذا؛ ولكن لا تصاحبه، لم؟ لأن هذا الكلام الذي قالوه لم يكن عليه هدي أهل السنة فيما مضى، وإنما أتوا بكلام في السلوك جديد وتخشُّع لم يعرفه العلماء وطريقة جديدة لم يكن عليها من مضى ولذلك خشي عليه هذا الإعداد أنه إذا كان معهم زاغ إلى البدعة.

ولهذا نهى الإمام أحمد عن صحبة الحارث وعن مجالسته في كذا موضع لأجل ما نُقل له من كلام آخر فيه بعض الغلط.

قال: لم أسمع بكلام أحسن من هذا؛ يعني من كلام القصاصين ومن كلام أهل الرقائق، لكن لا تصاحبه؛ لأن ذلك ليس من الطريقة التي جرى عليها أهل العلم.

لهذا قال الإمام أحمد هنا: إن ما أعلم الناس في زمان أحوج منهم إلى طلب الحديث من هذا الزمان. قيل ولم؟ قال: ظهرت البدع فمن لم يكن عنده سنة أو حديث وقع فيها.

وهذا في الواقع ينبغي أن يتنبه له كل أحد لأننا في هذا الزمن كل يحب الدين كل يحب أن يتدين وأن يخشع قلبه ولكن لابد أن يكون ذلك على سنة؛ لأن العبادة إذا لم تكن على سنة فهي مردودة، كما قال جل وعلا ?لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا? (1) قال الفضيل بن عياض في تفسير الآية: أحسن العمل أخلصه وأصوبه. قيل هذا الخالص فما الصواب؟ قال: أن يكون على سنة النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ. وهذا هو معنى قول النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» روه مسلم في الصحيح.

(1) سورة هود: 7، الملك:2.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت