فهرس الكتاب
التسويف (سوف) هذه من أعظم الأسلحة التي تفتك بالناس، من الناس من يعلم أن أهل بيته بحاجة إلى توجيهه، بحاجة إلى إصلاحهم، بحاجة إلى النظر في أحوالهم؛ ولكن متى يبتدئ يقول الآن عندي مهمات وعندي كذا وكذا، إذا ابتدأت العطلة كما نسمعها كثيرا سأسافر معهم وسأبدأ في نصحهم وسأضع لهم درسا وأوجه، وأبدأ معهم في السيرة، أو أبدأ معهم في دراسة لبعض كلمات السلف الصالح، أو في جلسات مختصرة مع الأهل أو الأولاد أو الإخوان إلى غير ذلك، فيمتد به الزمن ويأتي الشاغل تلو الشاغل وهو في أماني، لا حصّل ما يريد ولا هو انتبه إلى غلطه مع نفسه.
كذلك في باب الأماني، أماني الخير، أماني الإصلاح، أماني هداية الناس إلى الحق والهدى، على مستوى المجتمع، أو على مستوى الأمة.
من الناس من يقول سواء كانوا أفرادا أو مجموعات أو جماعات سنعمل، سنعمل وتمضي السنون ولا يعمل شيئا، أو ربما عملوا شيئا غير محمود، فسيصححون ويقتنعون أن هذا الذي هم عليه ليس بجيد أو أن غيره أفضل منه أو أنه خطأ، فيتمنون الأماني في الإصلاح وهم ماكثون على شهواتهم أو ماكثون على انقضاء أوقاتهم في غير الجد.
إذا اقتنعوا بهذا الشيء فالواجب أن يبادروا فالشباب وعمر الشباب هذا فرصة لا تعوّض فقد قال التهامي رحمه الله في مرثيته لولده التي مطلعها:
حكم المنية في البرية جاري ما هذه الدنيا بأرض قرار
يرى الإنسان فيها مخبرا حتى يرى خبرا من الأخبار
قال بعد ذلك:
ومكلف الأيام ضد طباعها وتطلب في الماء جذوة نار
وإذا رجوت المستحيل فإنما تبني الرجاء على شفير هار
إلى أن قال:
وتراكضوا خيل الشباب فإنما أعماركم سفر من الأسفار
لا بد من الجد، الأماني لا بد أن تتحول إلى واقع، منضبطة بضابط الشرع، فإذا كان ثم أماني في الخير والإصلاح على مستوى صغير أو على مستوى كبير فلا بد من البدار، البدار، البدار، والمرء يعادل الفترة التي يمكنه فيها أن يعمل شيئا خيرا يعاجلها قبل أن يأتي فترة لا يستطيع فيها أن يعمل شيئا، وهذا مما يجب أن يُتدارك ولا تترك الأعمار تمضي وأن تترك الأوقات تمضي دون نظر.