فهرس الكتاب
لهذا حفظ هذا الدين بنقل العدول عن العدول عن العدول إلى صحابة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فالعلم هو الذي أَوْرَثَنَاه محمد عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ، ولهذا قال عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ «إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر» وقال أيضا عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ «مثل ما بعثني به الله من العلم والهدى كمثل الغيث الكثير أصاب أراضا» الحديث الذي في الصحيحين.
فإذن كوننا على ميراث من دين الإسلام ليس هذا أمرا هينا وليس هذا بالأمر السهل؛ بل هذا أمر عظيم وإنما يتفطن لعظمته أولوا الألباب وأولوا العقول، وهذا الدين أوجب الله جل وعلا على عباده أن يتعلموه فقال سبحانه ?فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ? [محمد:19] ، وقال جل وعلا ?فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ? [التوبة:122] .
ولا شك أن بقاء الدين عزيزا إنما يكون ببقاء العلم وببقاء العلماء، لهذا صح عنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ كما في البخاري وغيره أنه قال «إن الله لا ينزع العلم انتزاعا -وفي رواية قال: لا يقبض العلم انتزاعا- ينتزعه من صدور العلماء لكن يقبض العلم بموت العلماء حتى إذا لم يبق عالم -وهي أصح من لم يُبق عالما- اتخذ ناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» لم يحفظ هذا الدين إلا بتوفيق الله جل وعلا ورحمته ومنته ونعمته بسبب جهاد الصحابة رضوان الله عليهم في امتثال العلم الذي ورثه إياه النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ.
لهذا كان من أعظم الجهاد؛ بل هو أعظم أنواع الجهاد، الجهاد في التفقه في الدين والتعلم، ولهذا جاء ابن عباس رجل فقال له يا ابن عباس رضي الله عنهما فقال له يا ابن عباس إني أريد الجهاد في سبيل الله. فقال له: ابْنِ مسجدا وتعلم العلم وعلم فيه الفرائض والسنن، فذاك أفضل.
ولهذا ذهب جمهور العلماء إلى أن طلب العلم وطلب الفقه في الدين أفضل من جهاد التطوع الذي لم يتعيّن على المسلم، وذلك لأن حفظ الدين يكون بوسيلتين:
يكون حفظ الدين برد أعدائه الذين يقاتلون بأنفسهم.