فهرس الكتاب
المطر إذا أصاب أرضا وكان مطرا شديدا يمشي أو يظل راكدا في الأرض؟ يمشي بل يذهب إلى الأودية والشعاب؛ لأنّه قوي، لكن هل الأرض التي نزل عليها أول مرّة نزولا شديدا يكون انتفاعها مثل الأرض التي استقر عليها الماء؟ ليس كذلك، هذا مثال للتقريب، المطر الذي يأتي قليلا قليلا؛ أسبوعا أسبوعين تجد مثلا نصف متر في الأرض كلها رويانة...، هذا وصف بليغ فيما يناسب العلم، إذا ارتويت من العلم بعد ذلك الشيء القليل الذي يأتي تحس أنه ينفع الناس، وتذكره بوضوح، فمثلا تجد بعض طلاب العلم قد يتكلم بالكلمات؛ لكن ما تقنع منها النفوس وهو طالب علم لماذا؟ لأنها لم تنتج عن رسوخ وفهم لما يتكلم فيه، تلحظ في الكلام شيء من الاضطراب، في شيء من عدم الوضوح، ما استطاع أن يوصل لك الكلام بوضوح تام، لماذا؟ لأنّه غير راسخ في هذا المقال الذي قاله.
وهكذا طالب علم أو عالم يكون عنده تسعين في المائة من العلم الذي معه واضح وعشرة في المائة غير واضح، تجد أنه يلتبس عليه فلا يستطيع تأدية هذا الذي إلتبس عليه -مشكل عنده-، فإذا كان العلم راسخا واضحا قد طُلب على مهل فإنه يثبت في القلب، وبعد ذلك يمكنك أن تنفع الناس به، فلا يُغيبنّ عنك هذه الحقيقة وهي أنّ العلم يطلب شيئا فشيئا.
أما التذوق فهذا ليس من العلم في قبيل، ما معنى التذوق؟
التذوق هو ما رأيناه كثيرا يحضر عند فلان من المعلمين أو من المشايخ الكبار شهر وبعد ذلك راح للثاني، راح للثالث، فما استفاد لأنه متذوق، فتجد الإخوان يقبلون سنة شهر شهرين ثم يُحبطون، هذا العلم غير متصل هذا ما يستفيد سنين ثم ينقطع في الغالب ينقطع ثم يصبح كغيره من الناس، أما الذي يصبر ويصابر على مرّ الزمان فإنّه هذا يحصل بحسب ما كتب الله له.
ومما هو من أسباب ثبات العلم وعدم الانقطاع عنه أن تكون مخلصا القصد فيه لابد من الإخلاص في العلم لأن العلم قد أمر به في القرآن وأمر به النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا كان مأمورا به فإنه عبادة؛ لأنّ العبادة هي ما أُمر به من غير إطراد عرفي ولا اقتضاء عقلي، فإذا كان مأمورا به فهو عبادة، فإذا كان عبادة يلزم فيها الإخلاص.