فهرس الكتاب
-صلى الله عليه وسلم -، فبعض الناس يقول: إنّ المعتنين بالحديث والأثر والمعتنين بطريقة السلف ليس لهم عناية بالسيرة. وهذا ليس بصحيح، بل إنّ الذين اعتنوا بسيرة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - من حيث الإثبات، ومن حيث الانتقاء، من حيث الفقه والدلالة هم أتباع سلف هذه الأمة، وإذا صار هناك قصور ممن اعتنى بالحديث والأثر فإنّ هذا مما ينبغي علاجه؛ لأنّ الاهتمام بالسيرة به يحصل للمرء المؤمن ولطالب العلم أنواع من العلوم والفوائد ما يحصلها إلاّ إذا قرأ السيرة، ويقوم في قلبه الاعتزاز بدين الله والفرح بنصرة هذا الدين في أول الأمر ويقوم في قلبه عظم المحبة للنبي عليه الصلاة والسلام ولأصحابه بما يزيد المؤمن من الإقتداء بهم والسَّيْر على منوالهم.
نجد أنّ أئمة هذه الدعوة كالإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله اعتنى بالسيرة أيضا، فكتب كتابا في سيرة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - مطبوع موجود، كذلك ابنه الإمام الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب له كتاب أيضا في سيرة المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، وجعلوا في تضاعيف نقلهم للسيرة ذكر الفوائد وخاصة الفوائد الدّعوية، وسيأتينا ذكر تأصيل فيما يتعلق بالفوائد الدّعوية في سيرة المصطفى - صلى الله عليه وسلم -.
إذن فالعناية بالسيرة إثباتا وفقها واستنباطا كان عليه علماؤنا، فالاهتمام بها من سِمَة طلاب العلم الجادين فيه ومن سمة المحبين للخير بعامة، والناس ترقيق قلوبهم وبعث الهمة في نفوسهم وبعث العزة في نفوسهم يكون بطرق صحيحة، ومن ذلك ذِكر قصص السيرة، وذكر ما جرى فيها من حوادث ومن أحكام.
نظر الناس والمؤلفين والدارسين للسيرة متنوع، وهذا ما يمكن أنْ نسميه أو أنْ نعنون له بمدارس تناول السيرة؛ سيرة النبي عليه الصلاة والسلام.
فإنّ سيرة المصطفى عليه الصلاة والسلام تنوّعت المدارس في تناولها وفي التأليف فيها وفي الباعث على الاهتمام بها إلى بضع مدارس:
( فأول تلك المدارس المدرسة اللغوية: وهذه المدرسة اهتم فيها أصحابها بأنْ يتناولوا السيرة بالاهتمام بما في السيرة من لغة صحيحة، فإنّ من نقل السيرة من مثل التابعين ومن مثل ابن إسحاق إنهم نقلوها بلغة صحيحة، وما أوردوا في السيرة من أشعار كثيرة وأخبار وخطب للعرب وحكايات وخطب للصحابة، بل وأقوال في ذلك، هذا كله من جهة اللغة معتمد.