فهرس الكتاب

الصفحة 440 من 2735

وإذا كان كذلك، فإن رَوْمَ العلم لا يمكن أن يكون بإطلاق؛ بل ينبغي لطالب العلم أن يكون متدرجا فيه؛ والتدرج سنة لا بد منها، هي سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهي سنة الصحابة، وهي سنة أهل العلم بعدهم؛ فالنبي عليه الصلاة والسلام ما علّم الصحابةَ العلم جملة واحدة، وإنما علَّمهم في سنين عددا، في مكة علمهم أصل الأصول، الذي به سلامة القلب وصحته وسلامة العقل وصحته، ألا وهو توحيد الله جل جلاله والبراءة من كل ما سوى الرب جل وعلا، ثم بعد ذلك أتى العلم شيئا فشيئا لصحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكلٌّ أخذ من العلم بقدر ما يُسِّر له وقُدّر له.

هكذا أهل العلم من بعد الصحابة لا تجد أنَّ أولئك خاضوا العلم خوضا واحدا، فمنهم من برّز في العربية، ومنهم من برّز في علم الأصول، ومنهم من برّز في التفسير، ومنهم من برّز في الحديث، ومنهم من برّز في علوم الآلة الأخرى كالمصطلح ونحوه، ومنهم من برّز في الفقه، وهكذا في علوم شتى.

وإذا كان كذلك، كانت وصية ابن شهاب الزهري، التي لابد أن نحفظها، كانت وصيته نعم الوصية حيث قال: من رام العلم جملة ذهب عنه جملة إنما يطلب العلم على مر الأيام والليالي. فالمتعجلون لا يحصلون العلم، فلا بد -إذن- من التدرج.

ثُم ثَم صنف أيضا من الشباب، أو من طلاب العلم وهم المتذوقون. المتذوقون: أهل التذوق في أخذ العلم؛ يأتي ويطلب علما ما مدة قليلة، ثم يأتي ويحكم على هذا العلم، أو يحكم على من يُعلّم ذاك العلم، وأيضا ينتقل إلى آخر، ثم يحكم على ذلك العلم الآخر، وعلى من يُعلّم ذلك العلم الآخر.

وهذا دليل نقص في العلم، ونقص في الإدراك والعقل؛ لأن العلوم لا يحكم عليها إلا من حواها من جميع جنباتها، وأحاط من ورائها. وهذا لا يتأتى لأكثر الشباب الذين يتذوقون؛ تجد أنه في مدة من الزمن أشهر أو سنة حضر عند فلان من أهل العلم، أو من المعلِّمين من طلبة العلم، فحكم على نفسه، أو على ذلك المعلم بأنه كذا وكذا، ثم انتقل إلى غيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت