ثم في الآخِر تجد أن هذا النوع ييأس ولا يحصّل علما كثيرا؛ ذلك لأنه تعجَّل، وكان متذوقا في العلم، والتذوق بمعنى كثرة التنقل، والأخذ من هذا بشيء والأخذ من ذاك بشيء، هذا لا يكون المرء به عالما، ولا طالب علم، وإنما كما قال الأولون يكون أديبا؛ لأنهم عرّفوا الأدب بأنه: الأخذ من كل علم بطرف. وهذا مما لا ينبغي أن يُسلك، يعني أن يكون طالب العلم الذي أراد صحة العلم، وصحة السلوك فيه، لا يصلح أن يكون متذوقا.
إذن فرجع السبيل إلى أن يكون مؤصِّلا نفسه، متدرجا في العلم، والتأصيل أمره عزيزٌ جدا؛ تأصيل العلم وتأصيل طلب العلم وأن يحفظ كما حفظ الأولون.
أنظر إنْ كنت معتبرا، أنظر كتب التراجم حيث ترجم أولئك المصنفون لأهل العلم؛ تجد أنه في ترجمة إمام من الأئمة، وحافظ من الحفاظ، تجد أنهم يذكرون في أوائل ترجمته أنه قرأ الكتاب الفلاني من الكتب القصيرة من المتون المختصرة وقرأ الكتاب الفلاني، وحفظ كذا، وحفظ كذا، لماذا يذكرون هذا، ويجعلونه منقبة لأولئك؟ لأن حفظ تلك المتون، وقراءة تلك المختصرات هي طريقة العلم في الواقع، وهذه سنة العلماء، ومن تركها فقد ترك سنة العلماء في العلم والتعليم، منذ تشعَّب العلم بعد القرن الرابع الهجري.
لهذا ينبغي لك أن تكون حريصا على التأني في طلب العلم، وأن تُحكِم ما تسمع وما تقرأ شيئا فشيئا.
ومن المهمات أيضا ألاّ تُدخل عقلك إلا صورة صحيحة من العلم، لا تهتمَّ بكثرة المعلومات، بقدر ما تهتم بأنْ لا يدخل العقل إلا صورة صحيحة للعلم، إذا أردت أن تتناولها تناولتها بالاحتجاج أو بالذكر أو بالاستفادة، تناولتها تناولا صحيحا، أما إذا كنت تُدخل في عقلك مسائل كثيرة، وإذا أتى النقاش لحظت من نفسك أنَّ هذه المسألة فهمتها على غير وجهها، والثانية فهمتها على غير وجهها، لها قيد لم تهتم به، لها ضوابط ما اعتنيت بها، فتكون الصور في الذهن كثيرة، وتكون المسائل كثيرة؛ لكن غير منضبطة، وليس ذلك بالعلم.
إنما العلم أن تكون الصورة في الذهن للمسألة العلمية منضبطة؛ من جهة الصورة -صورة المسألة-، ومن جهة الحكم، ومن جهة الدليل، ومن جهة وجه الاستدلال، فهذه الأربع تهتم بها جدا:
الأولى: صورة المسألة.
الثانية: حكم المسألة، في أي علم: في الفقه أو الحديث أو المصطلح أو الأصول أو النحو أو التفسير...إلخ.
الثالثة: دليلها، ما دليل هذا الذي قال كذا وكذا؟