فالعلم الشرعي سهل ميسور، فإذا نظرت إلى العلوم الأخرى التي وُرِثت من الأمم المختلفة من حصاد العقول أو حصاد التفكير في الروحانيات -كما يزعمون- وجدتَ أنها مغلقة إلا بمجاهدة عظيمة، أما هذا العلم بالكتاب والسنة فهو سهل ميسور؛ ولكن لمن أنعم الله جل وعلا عليه بالنية الصالحة وبالإقبال عليه والثبات عليه والحرص على ما ينفعه.
وكما هو معلوم أن العلم له خطوات وله طرائق من فاتته فاته تحصيل العلم على وجهه، ومن تأمل في طريقة السلف وجد ذلك ظاهرا بينا، فإنهم يطلبون العلم شيئا فشيئا، وإذا كتبوا رحمهم الله إذا كتبوا الأحاديث فإنهم يتفقهون فيها وينظرون فيها نظر المتأمل ونظر الذي يستنبط العلم أو يكتب العلم بعد معرفة دليله.
فالأصل في التعلم أن يكون بالأدلة؛ يعني أن يطلب طالبُ العلم القرآنَ ويتفقه في القرآن، وأن يطلب الحديث ويتفقه في الحديث، هذا هو الأصل، وأهل العلم مشوا على هذا نحو ثلاثة قرون من الزمان وصار المتميز منهم يكون فقيها بالكتاب والسنة بعد مدة من الزمن طويلة؛ لأن التفقه في النصوص ابتداء هو الأصل، ولكن يطلب طالبَ علم مجد ويطلب معلما محيطا بنصوص الكتاب والسنة وبالعام والخاص والناسخ والمنسوخ وكلام الناس في ذلك.
ولهذا ترى في هذا الزمن هناك من يقرر العلم لكن لو أتي له بتفسير القرآن أو بتفسير السنة فإنه قد لا يُخرج نفسه من كثير من الإشكالات؛ وذلك لأن الفقه في النصوص يطلب علما واسعا.
لهذا لما فتر الزمان وضعفت همة طلاب العلم عن الاستقصاء وعن طلب الحديث ولقاء العلماء والرحلة في ذلك خفف أهل العلم على المحصلين فصنفوا لهم الكتب المختصرة في التفسير وفي الأحكام في الفقه وفي العلوم المساعدة بخلاف الأصل الذي درج عليه الأولون، وهذا منهم رحمهم الله تعالى لأجل تيسير العلم على الناس لأن الناس ضعفوا عن حمل العلم كما حمله السلف الصالح.
ولهذا تجد أن فقهاء الإسلام في الصحابة والتابعين كثير، ثم فيمن بعدهم أقل، ثم فيمن بعدهم أقل، وهكذا، وهذا لصعوبة العلم من جهة أنه يَطلب توسعا في النظر وتوسعا في أخذه، هو سهل من جهة استقباله، ميسر لمن أقبل عليه؛ لكنه كثير المسائل كثير التفصيلات.