نظر أهل العلم بعد ثلاثة قرون فوضعوا الكتب المختصرة في فنون شتى، ومن أهم ذلك العقيدة والفقه وأدلة الأحكام، فالسلف لم يجعلوا العقيدة على شكل مختصرات؛ بل كانوا يجعلونها في كتب مبسوطة كما ترى في كتب السنة لعبد الله ابن الإمام أحمد، وفي كتاب التوحيد لابن خزيمة، وفي كتاب التوحيد من صحيح البخاري، والسنة من سنن أبي داوود، والسنة لابن ماجه، وهكذا في كتب كثيرة، والإيمان والشريعة والتوحيد ونحو ذلك من الكتب والقدر وغيرها، فكانت كتبهم فيها البسط؛ لأنها تليق بمكانتهم وبمن يتلقى، لكن صارت حاجة المتعلمين إلى المختصرات لتضبط الأصول، فصار الأمر بعد ذلك تسهيلا أن يُبدأ بالمختصر الذي فيه فقه النصوص؛ يعني الذي كتب فيه مصنفه ما يعلمه من فقه النصوص ومما قرره أئمة الإسلام، فكتبت المختصرات في العقيدة وفي الفقه وجمعت أدلة الأحكام، وكتبت المختصرات في العلوم المساعدة كأصول الفقه والنحو ومصطلح الحديث ونحو ذلك.
هذا كله تيسيرا، هذا كله لأجل التيسير ومخالف للأصل؛ ولكن هكذا لما ضعف الحفظ وضعفت همة الناس كان لزاما أن يُحفظ الدين بوضع هذه الكتب.
وإذا تأملت وجدت أن أكثر الذين يرومون طلب العلم على طريقة السلف الصالح رضوان الله عليهم من التوسع في فهم معاني نصوص القرآن بمطالعة كلام السلف عليها وكذلك بتتبع الأحاديث وأخذ الفقه منها تجد أن الأمر يطول عليهم جدا وربما التبست عليهم المسائل، لا شك أن هذا هو الأصل؛ ولكن ذاك أصل إذا شابهت طريقتنا واستعداداتنا استعدادات السلف وطلاب العلم في ذلك الزمان، لكن أهل العلم بعد القرون الأُوَل اختلفوا فيما يعلمون الطلاب عن تلك الطريقة الأولى، وسلكوا عليها إلى زماننا هذا في العناية بالمختصرات وطلب الدليل بعد تقرير المسألة.
أما طريقة السلف فالدليل أولا ثم الاستنباط، لكن طريقة المتأخرين المسألة ثم دليلها، وهذا لأجل أن تكون المسألة التي هي حصيلة فهم ذلك العالم بنصوص كثيرة وقد يكون بعضها يحتاج إلى أن يوفَّق بينه وبين بعض آخر من النصوص بضربٍ من استعمال أصول الفقه وأوجه الدلالة المختلفة، وقد يكون بالنظر إلى فهم الصحابة، وقد يكون بالنظر إلى فهم اللغة ونحو ذلك، فجعلوا المسألة أمامك بخلاصة ما أدى إليه اجتهاد ذلك المصنف ثُم الدليل عليها.