فهرس الكتاب
هذا صار فيه مشاكل منه من جهة أن المتعصبين للآراء والمذاهب أصبح كلّ يدلي بتأصيله في المسألة ويكون الدليل على وفق ما يفهم من يقدِّم ما يفهم من يتعصب له، وهذا لا شك أنه سبّب ثغرة في هذه الطريقة في العلم من جهة التعبد؛ لأن الأصل الذي كان عليه السلف أن يأخذ بفقه النص من الكتاب والسنة وهو يأخذ على الفقه على جهة التعبد، كما جاء (قد أحسن من انتهى إلى ما سمع) فهو في تعبد لأنه يطلب علم الكتاب والسنة.
بعد ذلك لما شاعت الأمور المختلفة كما ذكرنا صار العيب في شيء واحد وهو أن تُصنف المصنفات على جهة التعصب، هناك كتب مختصرة في الفقه كانت على جهة التعصب أو على جهة نصرة مذهب معين، ومنها ما هو لتقرير مذهب، يعني أن يُنظر في هذا الكتاب المؤلَّف على اجتهاد إمام من الأئمة كما صُنفت المختصرات الكثيرة؛ لكن منها ما هو على غير هذه الجهة بل على جهة نُصرة المذهب لا بتقريره للمتعلم.
لهذا:
كان هناك ضرورة للأخذ بما درج عليه الأئمة من فهم العلم على طريق تلك الكتب وبالأخذ عنها.
وكان هناك ضرورة أيضا أن الأخذ ذاك لأجل التصور لا لأجل التعصب.
فهاتان مسألتان مقترنتان مهمتان، أن هذه المختصرات تؤخذ على طريق التفقه والفهم والعلم، ثم الأدلة عليها يهتم بها طالب العلم، ولا تؤخذ على جهة التعصب؛ لأن أصل التعبد في العلم أن تتعبد بفهم نصوص الكتاب والسنة.
من الذي يُفهمُك النصوص؟
أهل العلم، فأهل العلم وسائل، أدوات لإفهام ما دلت عليه النصوص؛ لأنهم أمضوا أعمارهم وأتعبوا أفهامهم في فقه النص في فقه ما أنزل الله جل وعلا على رسوله صلى الله عليه وسلم، فهم أدوات للفهم، فهم يشرحون ليُفهِموا الشريعة.
فإذن أهل العلم على هذه المثابة فلا يُتعصب لقول وإنما يُتعصب لدليل ذلك القول، إذا كانت المسألة اجتهادية فلك أن تثق بقول أوثق العلماء لديك إذا التبَسَت، وهذا طبعا لا يصلح للمبتدئ في طلب العلم، وإنما المبتدئ في طلب العلم يجتهد في تصوير المسائل وفي النظر فيها يعني في أن يفهم الصور صورة المسألة: في العقيدة، في الحديث، في الفقه، في العلوم المساعدة. يفهم الصورة ثم الحكم عليه، فالحكم؛ حكم تلك الصورة، ثم الدليل على ذلك الحكم، هذه الثلاث المراتب المهمة:
تحقيق الصورة.
ثم الحكم.
ثم الدليل.
واجتهِد أن لا تُدخل رأسَك إلا صورة صحيحة.
ثم بعد الصورة أن يكون الحكم منطبقا على تلك الصورة.
ثم أن يكون الدليل مع وجه الاستدلال لتلك الصورة.