فكان رضي الله عنه له أصحاب، وكان يوصيهم بوصايا حُفظت لنا، وكان أصحابه على هيئته يترسمون خطاه ويهتدون بهديه، وكان رضي الله عنه أشبه الناس هديا وسمتا ودلا بالنبي - صلى الله عليه وسلم -؛ يعني أنه كان حريصا على السنة، ولهذا كان أشبه الناس بالنبي عليه الصلاة والسلام.
[الوصية الأولى]
كان له أصحاب، وهكذا العالم الداعي لا بد أن يتأثر به الناس، ومع ذلك كان مربيا حتى في إمامته وصُحبته.
رآهم مرة يتبعونه، ورأى العدد كثر رضي الله عنه، فقال لهم كلمته التي هي فاتحة الكلمات سنتدبر فيها من كلمات ابن مسعود قال رضي الله عنه لهم قال:
لو تعلمون ذنوبي ما وطئ عقبي اثنان، ولحثيتم التراب على رأسي، ولوددت أن الله غفر لي ذنبا من ذنوبي، وأني دعيت عبد الله بن روثة. أخرجه الحاكم وغيره.
يقول لأصحابه (لو تعلمون ذنوبي ما وطئ عقبي اثنان) وفي رواية أخرى قال: لو تعلمون -يقسم ويقول- والله الذي لا إله غيره لو علمي لحثيتم التراب على رأسي.
وهذه الكلمات مدرسة ولا شك؛ لأن البروز في الناس متوقع، إذا تميز أحد في الناس بشيء، ربما عظموه، وربما مدحوه، وربما تتابعوا خلفه يمشون، والمرء كلما ازداد علمه بالله جل وعلا علم أنَّ ذنوبه كثيرة كثيرة كثيرة، ولا عجب أنْ أوصى النبي - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر -وهو أفضل هذه الأمة من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -- الصديق الذي قال فيه النبي عليه الصلاة والسلام: «لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان الأمة لرجح إيمان أبي بكر» . علمه النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يدعو آخر صلاته بدعاء فيقول فيه: «ربي إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت» . القائل الموصِي النبي - صلى الله عليه وسلم -، والموصَى أبو بكر الصديق رضي الله عنه «ربي إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك» ، كلما ازداد علم المرء بربه خشي الله جل وعلا، وخشي أن يطأ عقبه اثنان، خشي أن يعظم في الخلق، خشي أن يُرفع في الناس؛ لأنه يعلم من الله جل وعلا، ومما يستحقه الله جل وعلا ما يوقن بأنه لن يبلغ أن يوفي الله جل وعلا حقه، فيكون مقصرا في الشكر، وذلك ذنب من الذنوب.
قال ابن مسعود: لو تعلمون ذنوبي ما وطئ عقبي اثنان. يشتهر الناس:
فمنهم القارئ للقرآن، يشتهر بحسن قراءته، وبحسن صوته، فيجتمع عليه الناس.
منهم العالم يشتهر بعلمه، وبفتواه، وبصلاحه، وبورعه، فيجتمع عليه الناس.