فهرس الكتاب

الصفحة 588 من 2735

ومنهم الداعية يشتهر ببذله للناس، ويجتمعون حوله بما هداهم الله جل وعلا به إلى الحق.

ويشتهر من يؤدي الأمانة.

ويشتهر من يأمر بالمعروف وينهى عن المعروف، وهكذا.

ومقام الشهرة مقام مزلة عظمة، ولهذا ابن مسعود أوصى وصية على نفسه يبين فيها حاله، ويبين فيها ما يجب أن يكون عليه كل من كان له تبع، فيقول: لو تعلمون ذنوبي ما وطئ عقبي اثنان ولحثيتم التراب على رأسي. لابد فيمن كان على شهرة، أو كان ممن ينظر إليه الناس أن يحتقر نفسه دائما بينهم، ويظهر ذلك لا ليرتفع بينهم، ولكن ليرتفع عند الله جل وعلا، ومدار ذلك الإخلاص، فإن من الناس من ربما يزدري نفسه أمام الناس ليظهر بينهم، وهذا من الشيطان، ومنهم من يزدري نفسه من الناس والله جل وعلا مطلع على قلبه أنه صادق في ذلك، يخشى لقاء الله جل وعلا، يخشى يوم يوفى ما في الصدور يوم يطلع على ما في القلوب، ولا تخفى على الله خافية، ولا يكتمون الله حديثا.

هذه عبرة من العبر يتنبه لها كل تابع وكل متبوع، أما التابع فينتبه إلى أن هذا المتبوع يجب أن لا يعظَّم وإنما يستفاد منه بما يبلغ على الله جل وعلا، أو بما ينفع به الخلق، وأما التعظيم فإنما هو الله جل وعلا، ثم لرسوله - صلى الله عليه وسلم -، وأما باقي الخلق فلهم إذا صلحوا فلهم المحبة في النفس، وينبغي على من اشتهر أن يكون دائما خاشعا ذليلا ذاكرا ذنوبه، ذاكرا مقامه بين يدي الله، ذاكرا أنه ليس بأهل أن يطأ عقبه اثنان، وأن يتبعه اثنان.

ولهذا لما مدح أبو بكر الصديق رضي الله عنه بين الناس، وخطب بعد ذلك، صح عنه فما رواه أحمد وغيره قال رضي الله عنه: اللهم اجعلني -يقولها علنا- يقول اللهم اجعلني خيرا مما يظنون، واغفر لي ما يعلمون. ينبه الناس أن عنده ذنوب، حتى لا يغلو الناس فيه، فهل يستقيم هذا مع ما نرى من أحوال يزيد فيها المعظَّم تعظيما لنفسه، ويزيد فيها المعظِّم تعظيما لمن عظمه واتبعه، ليس هذا من هدي الصحابة رضي الله عنهم، عمر رضي الله عنه ربما أعجبته نفسه وهو خليفة، وهو بعد أبي بكر رضي الله عنه في التبشير بالجنة فأخذ يحمل الشيء في السوق فيزدري نفسه حتى لا تتعاظم بنفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت