فهرس الكتاب
هذه الخصلة التي في قلب ذاك العاصي هي التي ينبغي أن يُنظر إليها، وأن تعظم في نفسه وأن يحبب إليه الخير من جرّاء تلك، والعبد لا ينبغي بل لا يجوز له أن يتعاظم على العصاة وأن ينظر نفسه فوقهم، وأن أولئك من حالهم كذا وكذا وهو حاله حال أهل الطاعة وينظر إلى نفسه ويجعل نفسه متعاليا على أولئك الذين عصوا، لا؛ بل كما قال الله جل وعلا ?كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ? [النساء:94] قد قال ابن القيم رحمه الله في وصف حال المسلم حين ينظر إلى العاصي:
واجعل لقلبك مقلتين كلاهما من خشية الرحمن باكيتان
لو شاء ربك كنت أيضا مثلهم فالقلب بين أصابع الرحمن
فتنظر إلى العاصي نظرين:
النظر الأول نظر رحمة وشفقة ترحمه أن كان من العصاة، ترحمه أن كان أسير لشهوته، أسيرا للشيطان؛ لأن من الذي استعبده الشيطان لأن طاعة الشيطان نوع من العبودية كما قال جل وعلا في سورة يس ?أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ? [يس:60] ، عبادة الشيطان بطاعته، فهذا أسره الشيطان فإذا نظرت إليه نظر رحمة كنت ناظرا إليه النظر الصحيح، هذا النظر الأول نظر رحمة، تنظر إليه بنظر القدر، بنظر ما حصل له، فتكون رحيما به مشفقا، وربما بكت عيناك من جرّاء ما عصى ذلك الرجل أو تلك المرأة.
ثم تنظر إليه نظر آخر بنظر الحكم الشرعي نظر الأمر والنهي فتحمله على الأوامر وتحمله على البعد عن النواهي.
فالعاصي يُنظر إليه بنظر الرحمة تارة، ويُنظر إليه بنظر الأمر والنهي تارة، فالذي ينظر بنظر الأمر والنهي مستعظما على هذا العاصي ناظرا إلى نفسه ما دام أنه ما دام أنع مطيع فهو أفضل من هذا فهو خير منه وما يدريك، وربما كانت العاقبة لك غير حميدة والقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، فنظر الرحمة هذا ينتج عند العبد العمل الصالح ينتج عند العبد الدعوة، ينتج عند العبد الخير، والأمر والنهي ينتج عند العبد الدعوة ينتج عند العبد الخير والأمر والنهي ينتج عند العبد التوازن، فإذا نظر نَظر رحمة دعا والأمر والنهي يجعله متوازنا في دعوته؛ لأن من الناس من يدعو من جهة الحرمة جعل حاله مع العصاة أبشع حال، وحتى جعل العاصي كأنه لم يعص، وساوى بين العاصي والمطيع، وهذا من جرّاء مخالفة الأمر والنهي.
فإذن حالك من جهة الدعوة من جهة النظر إلى العاصي أن تنظر إليه من هذين النظرين، وتتعامل معه على وصفهما: