فهرس الكتاب

الصفحة 96 من 2735

ولذلك الذين لا يجلسون ممن رأيناهم -أخذا بفتوى بعض المشايخ في هذه المسألة-، الذين لا يجلسون يفوت على الناس أن يعزوهم وأن يواسوهم في مصيبتهم، هو في عمله، هو عند صديقه، هو في السوق، هو راح، ما يعرف أين هو؛ بل بعضهم يتعمد الخروج من البيت حتى لا يجلس، وهذا كله مخالف للحق؛ لأن التعزية مشروعة والوسائل لها أحكام المقاصد؛ فإذا كان الجلوس للتعزية ليس معه منكر وليس معه نياحة أو صنع للطعام من أهل الميت، فإن هذا من باب الوسائل لها أحكام المقاصد، وحديث البخاري الذي ذكرت لك من اجتماع النساء عند عائشة يدل على ذلك، والمرأة الأصل فيها ألا تخرج، الأصل في المرأة أن لا تخرج فيأتي المعزي يعزي عائشة وحدها، فكون النساء اجتمعنا عندها يدل على أن الاجتماع دون صنع الطعام للمعزين أنه لا بأس به.

هذه مسألة مهمة في هذا الأمر، فمن شدّد فيها من أهل العلم قوله يخالف الأصول التي ذكرتُ لك من السنة ومن القواعد ومن فهم معنى النياحة عند أهل الجاهلية.

والذي رأيناه من علمائنا في هذا البلد وفي غيره حتى علماء الدعوة من قبل أنهم كانوا يجلسون؛ لأنه لا تكون المصلحة إلا بذلك، إذا فات ذلك فاتت التعزية سنة التعزية لا يسوغ أن تفوت.

في الرياض مثلا -في المدن الكبار- كيف ستجد من تعزيه؟ لن تجده ستفوت التعزية سنة التعزية ستفوت لأجل أن لا يحصل الجلوس.

الجلوس في نفسه مختلَفٌ فيه، ثم من قال بأن الجلوس لا يشرع؛ يعني التعبد بالجلوس وهو أن يكون الجلوس سنة، يقول أجلس مع أن البلد صغير البلد مكانين ثلاثة، يجلس لأنه يخشى أن يكون جلوسه وسيلة للنياحة.

فإذن هذه المسألة مهمة وهي راجعة إلى: هل الجلوس له صفة النياحة صفة أهل الجاهلية أم لا؟ كيف تكون له صفة أهل الجاهلية؟ إذا كان الجلوس واضح فيه نَوْح، واضح فيه تفاخر، واضح فيه [كثرة] مثل ما يفعل فيه بعض القبائل أو بعض البادية ونحو ذلك ليس جلوس للعزاء، وإنما هو جلوس لإظهار الفخر والخيلاء بكثرة أن يقدم للتعزية بوفاة هذا الميت.

أما الجلوس بمجرده -يعني دون نياحة- فلا بأس به.

فإذن النياحة التي جاءت في السنة التي قالها الصحابة هي ما يجمع أمرين -هي التي كان عليها أهل الجاهلية- فيجتمعون يتفاخرون بكثرة الجمع ثم يصنع أهل الميت الطعام، كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعهم الطعام من النياحة، اجتمع الناس وصنعوا الطعام فصار نياحة؛ لأنه المقصود منه إظهار الفخر والنَّوح على فَقْد هذا الرجل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت