وأما الرواية بجهل جِلَّة الصحابة رضي الله عنهم بمعنى بعض الألفاظ فلا نثِق بصحتها [1] ، لكونها خلافَ صريحِ العقل وتصريح القرآن، كما قال تعالى:
{وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ} [2] .
{فُصِّلَتْ آيَاتُهُ} معناه هاهنا: وُضِّحت، فإن هذا كان اعتراضهم. وأما كونها تفصيلًا لإجمالٍ فذلك لا قدح فيه. قال تعالى:
{كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} [3] .
وقوله: {أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ} أي بعيد عن العقل أن يأتي الرسول بكلام لا يفهمه قومه. فأيّ فائدة لهذا الكلام؟ ولذلك قال تعالى:
{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} [4] .
روَوا أنّ أبا بكر رضي الله عنه لم يَعلم معنى {وأبًَّا} [5] ، أفأظهر عدم علمه بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ وأن عمر رضي الله عنه بقي في زمان النبي - صلى الله عليه وسلم - غيرَ عالم بمعنى {تَخَوُّفٍ} [6] . هيهات! كانت السورتان تقرآن كثيرًا، وهم في صحبة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولم يسألوه، ولا سمعوا أحدًا يسأله!
(1) قال السيوطي في الإتقان 2: 4:"فهذه الصحابة -وهم العرب العرباء وأصحاب اللغة الفصحى ومن نزل القرآن علهيم وبلغتِهم- توقّفوا في ألفاظ لم يعرفوا معناها، فلم يقولوا فيها شيئًا". فَعَلَّق الفراهي على كلامه في حاشية نسخته (141) :
"لا يصح أن كلمةً من القرآن خفِيَ معناها على علماء الصحابة، لا سيّما القرشيون".
(2) سورة فصلت، الآية: 44.
(3) سورة هود، الآية: 1.
(4) سورة إبراهيم، الآية: 4.
(5) في قوله تعالى في سورة عبس، الآية: 31 {وفاكهةً وأبًَّا} وقد ردّ المؤلف هذه الرواية ردًّا مفصلًا في تفسير سورة عبس، انظر الفصل العاشر.
(6) في قوله تعالى في سورة النحل، الآية: 47 {أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} .