فتَذَكَّرَا ثَقَلًا رَثِيدًا بعدَما ... ألْقَتْ ذُكاءُ يَمينَها في كافرِ [1]
ومنه: كَفَرَه: جحد بنعمته، فسَتَرَها، ضد شكره، كما قال تعالى:
{إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} [2] .
= الأصل. وهو شاعر جاهلي قديم. قال الأصمعي: ثعلبةُ أكبر من جدّ لَبِيد.
انظر شرح المفضليات للأنباري: 254، واللآلي: 769 واللسان (صعر) .
(1) البيت من قصيدة له في المفضليات: 130، والأنباري: 257 والتبريزي: 619. وهو من الشواهد المشهورة. انظر مثلًا: إصلاح المنطق: 49، 339، والمعاني الكبير: 358، والمقاييس 2: 487، 5: 191، واللسان (رثد، كفر، ثقل، يدي، ذكا) .
يصف الشاعر في البيت ظليما ونعامة تذكرا بيضهما فأسرعا إليه عند غروب الشمس. ثَقَلًا رَثِيدًا: بيضًا منضودًا بعضه فوق بعض. ذُكاءُ: اسم للشمس. ألقت يمينها في كافر: قال الأنباري:"أي تهيأت للمغيب، كما تقول: وضع فلان يده في الدنيا، ووضع يده في إنفاق ماله: إذا ابتدأ. فسرق هذا المعنى لبيد من ثعلبة بن صُعَير -وثعلبة أكبر من جد لبيد- فقال يذكر الشمس:"
حتّى إذا ألْقَتْ يداَ في كافرٍ ... وأجَنَّ عَوراتِ الثغورِ ظلامُها
وسرق هذا المعنى ذو الرّمة من لبيد، فقال:
ألا طَرَقَتْ مَيٌّ هَيومًا بذكرِها ... وأيدي الثريَّا جُنَّحٌ فِي المغارِبِ
وقوله:"يمينها في كافر"يعني"الليل".
وقد كشف المؤلف رحمه الله عن بلاغة هذه الاستعارة في تفسير قوله تعالى في سورة البقرة: 195 {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} فقال في تعليقاته: 36"شبه الهلاك بالماء الغمر، والذي يلقي نفسه فيه كمن يرمي نفسه في الماء، فيلقي بيديه فيه مُكِبًّا كما قال لبيد:"
حتى إذا أَلْقَتْ يدًا في كافرٍ
وكانوا يشبهون النجوم عند غروبها كمن يساقط نفسه في الماء، كما قال أعرابي:"خرجتُ حيث انحدرتْ أيدي النجوم وشالَتْ أرجلُها"وليس هناك يد ولا رجل، ولكنه أراد سقوط النجوم في المغرب. وقد فهم من فسَّره: لا تلقوا بأنفسكم. ولكن لم يفهم من ظنّ أن اليد بمعنى النفس"."
ومنه قول لبيد أيضًا (ديوانه: 14) :
فلمّا تَغَشَّى كُل ثَغْرٍ ظلاَمُهْ ... وأَلْقَتْ يَدًا في كافرٍ مُسْيَ مَغرِبِ
تجافيتُ عنه، واتّقاني عِنانُه ... بشدٍّ مِن التقريبِ عَجْلانَ مُلْهَبِ
(2) سورة الإنسان، الآية: 3.