الصفحة 136 من 883

فهو نوعٌ من أنواع التفسير، ولذلك قلنا: التفسير معنى الكلام سواءٌ وافق ظاهره أم خالفه. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: فإن معنى لفظ التأويل [عند المتأخرين غير معنى التأويل في اصطلاح، نعم] فإن معنى لفظ التأويل في كتاب الله غير معنى التأويل في اصطلاح المتأخرين من أهل الأصول والفقه، وغير معنى التأويل في اصطلاح كثيرٍ من أهل التفسير والسلف، فلم أنفِ ما تقوم الحجة على صحته وهو منقولٌ عن السلف فليس بتحريف. وهذا أُورِدَ عليه لأنه لما قال: (مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ) غضب من غضب لأنه يعرض بهم لأنه لم يقل: من غير تأويل لِيَرُدّ عليهم، وإنما سماه ماذا؟ سماه تحريفًا، والتحريف معلومٌ أنه من شيما اليهود حينئذٍ كأنه عَرَّضَ بهم، وقد سلكوا هذا المسلك، وهو كذلك حينئذٍ لما أُورِدَ عليه بَيَّنَ أن لفظ الشارع إنما التحريف جاء في هذا المقام، وهو صرف اللفظ عن ظاهره لا لدليلٍ فلا يسمى تأويلًا وإن اتفق المتأخرون على أنه من التأويل، بل هو فاسدٌ. ولذلك قال: فلم أَنْفِ ما تقوم الحجة على صحته - يعني التأويل الحق الذي عَنُوه بأنه محمودٌ وليس بمذموم قال: لم أنفه، لم أقل من غير تأويل لئلا يوهم اللفظ بأن صرف اللفظ عن ظاهر بدليل أنه ليس من طريقة السلف، وإنما نفى ماذا؟ نفى التحريف دون التأويل. وقال أيضًا: وجهة الغلط أن التأويل الذي استأثر الله بعلمه هو الحقيقة التي لا يعلمها إلا هو. - الآية السابقة -. وأما التأويل المذموم والباطل فهو تأويل أهل التحريف والبدع الذين يتأولونه على غير تأويله، ويَدَّعُون صرف اللفظ عن مدلوله إلى غير مدلوله بغير دليلٍ يوجب ذلك، ويَدَّعُون أن في ظاهره من المحذور ما هو نظير المحذور اللازم فيما أثبتوه بالعقل. قالوا: اليد هذه فيها محذور وهو أننا لا نعقل إلا هذه اليد إذًا ظاهره التمثيل وهو كفرٌ. إذًا أؤوله إلى ماذا؟ إلى القوة والنعمة، كذلك الإنسان والمخلوق يتصف بماذا؟ بالقوة إذًا فرّوا من صفةٍ ظنوا أنها لائقةٌ بالمخلوق إلى صفةٍ كذلك مشترك بين الخالق والمخلوق وهي القوة والنعمة. هذا مراده رحمه الله تعالى. فيكون ما نفوه كاليد مثلًا من جنس ما أثبتوه، لأنهم فَرُّوا عن ظاهر اللفظ وهو اليد أنها مثبتةٌ لله عز وجل وهذا لا يعقلون ونفي ظاهر أذهانهم أنهم لا يعقلون من هذه اليد إلا الجارحة حينئذٍ فرُوا عن هذا المعنى الظاهر إلى معنًى آخر، ما هو هذا المعنى؟ هل هو من خصائص الله عز وجل ولا يتصف به المخلوق؟ لا، إذًا الشبه الموجودة في لفظ اليد كذلك موجودة في القوة والنعمة، فإن كان الثابت حقًّا القوة والنعمة ممكنًا كان المنفي مثله التي هي اليد الجارحة، وإن كان المنفي باطلًا ممتنعًا كان الثابت مثله. إذًا التأويل الذي عناه المتأخرون وهو التحريف المعنوي هذا باطلٌ بكل وجهٍ من الوجوه، ولذلك قلنا فيما سبق: إن التعبير بالتحريف عن التأويل الذي ليس عليه دليلٌ صحيح أولى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت