قوله: (مَن رَّبُكَ؟) السؤال هنا (مَن رَّبُكَ؟) ما المراد به؟ يعني هل السؤال هنا والاختبار عرفنا أن هنا اختبار امتحان هل الامتحان في كون الباري جل وعلا ربًّا، أو في كونه معبودًا إلهًا يعبد؟ لا شك أنه الثاني حينئذٍ لا بد من تفسير قوله: (مَن رَّبُكَ؟) أي من معبودك؟ لأن الابتلاء والفتنة إنما تحصل بماذا؟ في توحيد الإلوهية الذي بُعث الرسل من أجله (مَن رَّبُكَ؟) أي من معبودك؟ أو من ربك الذي خلقك وتعبده وتخصه بالعبادة، والرَّبّ يطلق في الوحيين على السيد المتصرف المطاع، ويطلق على المعبود يعني في استعمال الشرع فله حقيقةٌ شرعية، الرب له حقيقة شرعية بمعنى أنه يُطلق على السيد المطاع، ويُطلق ويُراد به في بعض المواضع في نصوص الوحيين المعبود، حينئذٍ يكون مرادفًا لله ويكون مرادفًا للإله بمعنى المألوه بهذا المعنى صارا مترادفين، وهو في حق الله تعالى يُحمل على معنيين قال تعالى: {وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا} [آل عمران: 80] . أي معبودين، فالأرباب هنا المراد به ماذا؟ كونهم معبودين، وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} [فصلت: 30] . {رَبُّنَا} أي معبودنا لأن الاستقامة إنما تكون على أساسٍ ألا وهو توحيد الإلوهية، وهذا يدل على أن الربوبية قد يُراد بها الإلوهية، إما بدلالة الالتزام يعني يلزم من الربوبية الأُلوهية، وهذا يدل على أن الربوبية قد يراد بها الأُلوهية إما بدلالة الالتزام لأنه يلزم من كان ربًّا أن يكون معبودًا وحده دون ما سواه، إذا كان هو الرب بمعنى المالك الخالق المتصرف المدبر لكل شيء فحينئذٍ يلزم من ذلك ماذا؟ أن يكون هو المعبود هذا بدلالة الالتزام، وإما بطريق الاجتماع والافتراق وهذا أشهر.
قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: إن لفظ الإله والرب والأُلوهية والربوبية في الكتاب والسنة تدخل في الألفاظ التي إذا اجتمعت افترقت وإذا افترقت اجتمعت كالإسلام والإيمان، فإذا قيل: الإله فقط دخل فيه الرب، وإذا قيل: الرب فقط دخل فيه الإله، وإذا قيل: الإله والرب افترقا، وكذلك الربوبية والأُلوهية تتداخل وتفترق، وهذا المعنى الصحيح.
والحاصل أن المقصود من السؤال في القبر بـ: (مَن رَّبُكَ؟) من معبودك هذا الذي حصل فيه النزاع، ودليل ذلك أن بعثة الرسل إنما هي تحقيق العبودية لله وحده دون ما سواه لا في الاعتراف بالربوبية (وَمَا دِينُكَ؟) أي ما يلتزمه من دينٍ. (وَمَن نَّبِيُّك؟) وبعد بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - السؤال عن ... محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - إذًا هذه الثلاثة الأسئلة هي التي عناها شيخ الإسلام بـ (( الأصول الثلاثة ) )التي عنون لتلك الرسالة الشهيرة.
نقف على هذا، والله أعلم.
وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.