الصفحة 494 من 883

وقوله: {وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ} أي من أصحاب الأنداد لأندادهم، فمحبة المؤمنين لربهم لا تساويها محبةٌ، والمعنى {وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ} من محبة أهل الأنداد لله. إذًا أهل الأنداد يحبون الله، ويحبون أنداده معبوداتهم. ولذلك ضحوا بأرواحهم وضحوا بأموالهم فحاربوا ... النبي - صلى الله عليه وسلم - وبذلوا الأموال وبذلوا الأرواح والدماء كله من أجل ماذا؟ دفاعًا عن أصنامهم، وهذا يدل على أن المحبة قد بلغت غايتها ومع ذلك كانوا يعبدون الله تعالى لكن ذلك لم ينفعهم. قال هنا: لأن محبة المؤمنين لله خالصةٌ، ومحبة المشركين لله مشتركة، ليست خالصة لله تعالى فلا تنفعهم، قد أخذت أندادهم قسطًا من محبتهم، والمحبة الخالصة أشد من المشتركة، ففي هذه الآيات أن من أشرك مع الله غيره في المحبة فقد جعله شريكًا لله، واتخذ ندًّا لله تعالى وأن ذلك هو الشرك الأكبر، فالمحبة تنقسم إلى أقسام كما ذكرها ابن القيم رحمه الله تعالى وغيره:

الأول: محبة الله سبحانه. أن يحب العبد الباري جل وعلا، لكنها لا تكفي من النجاة من النار ودخول الجنة، لماذا؟ لأن المشركين يحبون الله، والمؤمن يحب الله لكن المحبة لا بد أن تكون مستلزمه للطاعة، فالذي يَدَّعِي المحبة ولا يمتثل للطاعة محبته دعوى، إذًا النوع الأول محبة الله سبحانه ولا تكفي وحدها بالنجاة من النار والفوز بالجنة، فإن المشركين يحبون الله سبحانه.

الثاني: محبة ما يحب الله. وهذه المحبة هي التي تُدخل في الإسلام وتخرج من الكفر، وأحب الناس إلى الله أقومهم بهذه المحبة. يعني يَدَّعِي المحبة بأنه يحب الباري جل علا ويمتثل الأوامر ويجتنب النواهي.

المحبة الثالثة: المحبة في الله ولله. وهي فرضٌ كمحبة أولياء الله وبغض أعداء الله وهي من مكملات محبة الله ومن لوازمها، فالمحبة التامة مستلزمةٌ لموافقة المحبوب في محبوبه ومكروهه وولايته وعداوته، ومن المعلوم أن من أحب الله المحبة الواجبة فلا بد أن يُبغض أعداء الله ويحب أوليائه، وأما الذي يَدَّعِي المحبة ثم قلبه معلقٌ بأعداء الله فمحبته فاسدة ليست بحق.

الرابع: المحبة مع الله المحبة الشركية، وهي مستلزمةٌ للخوف والتعظيم والإجلال، فهذه لا تصلح إلا لله سبحانه، ومتى أحب العبد بها غير الله فقد أشرك الشرك الأكبر.

الخامس: المحبة الطبيعية. يعني التي فطر عليها الإنسان، وهي ميل الإنسان إلى ما يلائم طبعه، كمحبة المال، ومحبة الولد، والزوجة، ونحو ذلك، والديار، والوطن، كل هذه محبة طبيعية، لكن يجب أن تكون هذه المحبة لا يُؤثر العبد محابه على محاب الله تعالى، فإذا حصل تعارض بين محبة الولد وما أراده الله تعالى هنا يأتي المحكُ هنا يأتي الابتلاء، فإنّ قدم محبة الولد حينئذٍ وقع في المحذور، وإلا فالأصل تقديم محبة الله تعالى. فهذه المحبة - قال هنا - لا تذَمُّ إلا إن أشغلت وألهت عن طاعة الله كما قال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [المنافقون: 9] .

والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت