الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد.
فلا زال الحديث مع شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في سرده آياتٍ من القرآن المشتملة على صفات الباري جل وعلا.
ووقفنا عند قوله رحمه الله تعالى: (وقوله تعالى: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [النور: 22] ) . هذه الآية فيها إثبات صفتي المغفرة والرحمة، قوله: ( {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا} ) . اللام هذه لام الأمر، حينئذٍ الأصل فيها أنها تقتضي الوجوب فلا تصرف عن الوجوب إلا بقرينة، و ( {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا} ) سُكِّنَتْ لأنها أتت بعد الواو، لام الأمر إذا وقعت بعد الواو حينئذٍ تسكن، كذلك إذا وقعت بين الفاء أو بعد ثم، هذه ثلاثة مواضع الأصل فيها أنها تكسر {لِيُنفِقْ ذُو ... سَعَةٍ} [الطلاق: 7] {لِيُنفِقْ} اللام مكسورة، لكن إذا وقعت بعد الواو كما هو الشأن في هذه الآية ( {وَلْيَعْفُوا} ) إذًا سكنت اللام، كذلك بعد الفاء، {فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ} [الطلاق: 7] {فَلْيُنفِقْ} إذًا ساكنة، كذلك بعد ثم، {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ} [الحج: 29] العفو الذي أمر الله تعالى به في هذه الآية ( {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا} ) العفو هو الستر والتجاوز، يعني يشمل أمرين الستر مع التجاوز، والصفح الإعراض، الإعراض عن الشيء أو عن الذم مشتق من صفحة العنق، وهو أن يعرض عن عقاب المذنب وعتابه، ليس ثَمَّ لوم ولا غيره، وكأنه ولاه صفحة عنقه، وهو أبلغ من العفو، يعني الصفح أبلغ من العفو، لأن العفو سترٌ مع التجاوز، لكن قد يكون معه لوم وعتاب، وأما الصفح فهو ستر وتجاوز وليس معه عتاب البتة، فحينئذٍ هو أخصّ، يعني الصفح أخص من العفو، لأن الصفح لا لوم فيه ولا تثريب، وهذه الآية كما هو معلوم نزلت في شأن الصديق أبي بكر رضي الله تعالى عنه حين حلف أن لا ينفق على مسطح ابن خالته في أمر عائشة رضي الله تعالى عنها وكان مسكينًا بدريًّا، كان مسطح مسكينًا بدريًّا مهاجرًا، فلما تلاها النبي - صلى الله عليه وسلم - على أبي بكر قال: بلى أحب أن يغفر الله لي. ورد على مسطح نفقته، وكانوا وقَّافين عند كلام الله تعالى.