الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد.
فلا زال الحديث مع شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في سرده لآيات الصفات، وكنا قد وقفنا أو مرّ معنا ما ذكره رحمه الله تعالى في إثبات صفة اليدين لله تعالى وذكر آيتين، وهما [قولَهُ جل وعلا أو] قولُهُ جل وعلا: ( {مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ} [ص: 75] ) . وكذلك قولُهُ جل وعلا: ( {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [المائدة: 64] ) .
وعرفنا أن صفة اليدين من الصفات الذاتية الخبرية.
الذاتية يعني لا تنفك عن الذات مطلقًا.
والخبرية هي التي مسماها بالنسبة إلينا أجزاء وأبعاض من أجل فهم المعنى المراد، وذكرنا قول ابن القيم رحمه الله تعالى أنه ورد لفظ اليد في الكتاب والسنة وكلام الصحابة والتابعين في أكثر من مائة موضع وروودًا متنوعًا مُتَصَرِّفًا أو مُتَصَرَّفًا فيه مقرونًا بما يدل على أنه يد حقيقةً، يعني ليست بمعنى النعمة، وليست بمعنى القدرة، من الإمساك والطي والقبض والبسط والنضح باليد والخلق باليدين، والمباشرة بهما وكتب التوراة بيده، وورث جنة عدن بيده، وقوله: ( {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} ) . فقطع بالضرورة أن المراد يد الذات لا يد القدرة والنعمة، يعني على إِنْ سُلِّمَ ذلك، فإن السياق والتركيب لا يحتمله البتة، ثم يبنغي أن يُعْلَمَ مسألة هنا وهي تتعلق بصفة اليدين، أن اليد جاءت في القرآن وفي السنة على ثلاثة أنواع:
جاءت مفردة.
وجاءت مثناة
وجاءت جمعًا.
فحينئذٍ كيف نجمع بين هذه الأدلة المتنوعة، لأن المدلول المفرد لا شك أنه يدل على واحد، ومدلول المثنى يدل على اثنين، ومدلول الجمع يدل على ثلاثةٍ فأكثر، حينئذٍ كيف نثبت هذه الصفة.
أما اليد التي جاءت بالإفراد كما في قوله: ( {يَدُ اللهِ} ) . فإن المفرد المضاف يفيد العموم، فحينئذٍ يشمل كل ما ثبت لله من يدٍ، وإذا كان كذلك حينئذٍ نقول: ما دلّ على العموم لا يمنع التعدد، ( {يَدُ اللهِ} ) نقول: هذا مفرد مضاف، حينئذٍ يفيد العموم، وإذا كان يفيد العموم بمعنى أن له آحاد، وهذه الآحاد يحتمل أنها اثنان أو ثلاث أو أكثر من ذلك، حينئذٍ نقول: ما أفاد العموم لا يمنع التعدد، فيد الله هذا مفرد لا يمنع التعدد إن ثبت، لأن المفرد المضاف يفيد العموم فلا يمنع التثنية، أما المثنى والجمع فنقول: إن الله عز وجل ليس له إلا يدان اثنتان، كما ثبت ذلك في الكتاب والسنة والإجماع.