الصفحة 461 من 883

قال المصنف رحمه الله تعالى: (وقولِهِ: {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} [طه: 46] ) . ذكر المصنف صفة الرؤية وذكر أربع آيات، وبعضهم يجعل هذه الآية داخلةً في الآيات السابقة. يعني إثبات صفة السمع ولا إشكال ( {أَسْمَعُ وَأَرَى} ) فيها صفتان، وذكر أربع آيات المصنف في إثبات صفة الرؤية ( {إِنَّنِي مَعَكُمَا} ) أي يقول سبحانه لكليمه موسى عليه السلام وأخيه هارون ( {إِنَّنِي مَعَكُمَا} ) أي بحفظي، ونصري، وكلاءتي، وتأيدي ( {أَسْمَعُ وَأَرَى} ) ، ( {أَسْمَعُ} ) أين المفعول به؟ محذوف، ( {وَأَرَى} ) كذلك المفعول به محذوف، ( {أَسْمَعُ} ) كلامكما وكلامه. يعني فرعون، ( {وَأَرَى} ) مكانكما ومكانه، ولا يخفى عليّ شيءٌ من أمركم، فأنا معكما بحفظي ونصري. وهذه المعيةُ الخاصة التي تقتضي الحفظ، والنصر، والتأييد، والإعانة، كقوله: {كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الشعراء: 62] . هذه معيةٌ خاصة.

وقول النبي - صلى الله عليه وسلم: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما، لا تحزن إن الله معنا» . «الله ثالثهما» هذه معية خاصة، والمعية تنقسم إلى قسمين، المعية؟ هذا مصدرٌ صناعي لأن الأصل ماذا؟ (مَعَ) زِيدَ عليه الياء والتاء. تنقسم إلى قسمين:

معيةٍ خاصة.

ومعيةٍ عامة.

فالعامة هي معية العلم والإحاطة، كقوله سبحانه: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} [الحديد: 4] . وهذه تشمل المؤمن والكافر، لا تختص بأحدٍ دون آخر.

والثانية: وهي المعية الخاصة وهي معية القرب كقوله: {إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} [النحل: 128] . هذه خاصة بأوليائه المتقين والمحسنين.

والفرق بينهما أنها إذا جاءت المعية في سياق المحاسبة والمجازاة والتخويف فهي

عامة، وإذا أتت في سياق مدحٍ أو ثناءٍ فهي معيةٌ خاصة. وقيل: المعيتين منه سبحانه مصاحبةٌ للعبد، لماذا قلنا: المصاحبة؟ لأن لفظ (مَع) يدل على المصاحبة، وهو مصاحبة كل شيءٍ بحسبه، تختلف من شيءٍ إلى شيءٍ آخر. لكن هذه المصاحبةُ اطلاعٍ وإحاطة وهي المعية العامة، وهذه المصاحبة موالاةٍ، ونصر، وحفظٍ، وهذه المعية الخاصة. فـ (مَعَ) في لغة العرب للصحبة اللائقة (مَعَ) لفظ (مَعَ) للصحبة اللائقة لا تُشعر بامتزاجٍ، ولا اختلاطٍ، ولا مجاورةٍ، ولا مجانبة. هذا معناها في لسان العرب لمطلق المصاحبة، لا تدل على الامتزاج، ولا تدل على المجاورة، ولا المجانبة، ولا الاختلاط، لا يُفهم منها ذلك البتة. وإنما نقول: هذا من قرينةٍ خارجة كقوله سبحانه: {اتَّقُواْ اللهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 119] . وتقول: زوجتي معي أين ما حللت، أليس كذلك؟ أين ما ذهبت تقول: زوجتي معي - يعني: في عصمتي - ونحو ذلك، وهذه المعية لا تنافي علو اللهِ على عرشه فهو مصاحبٌ للمخلوقين كافرًا كان أو مؤمنًا بمعيته العامة، ولأوليائه المتقين فبمعية خاصة، وهو كذلك مستوٍ على عرشه، فإن قربه ومعيته ليست كقرب الأجسام بعضها من بعض ( {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] ) . هذه القاعدة السابقة. كما قال مالكٌ: الاستواء معلوم، والكيف مجهول. هنا نقول: المعية معلومة لأنها (مع) ، قال: (مع) ، حينئذٍ الـ (مع) معلومة لكن الكيفية مجهولة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت