الصفحة 861 من 883

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه.

فلا زال الحديث مع شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في بيان ما يتعلق بالإيمان باليوم الآخر، فشرع رحمه الله تعالى في بيان ما يتعلق بالفتنة حيث قال: (فَأَمَّا الْفِتْنَةُ فَإِنَّ النَّاسَ يُمْتَحَنُونَ فِي قُبُورِهِمْ) . يُسأل فيقال للرجل من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ قوله: (فَإِنَّ النَّاسَ يُمْتَحَنُونَ فِي قُبُورِهِمْ) الناس لا شك أنه لفظٌ عام، حينئذٍ يُطلق على المؤمن ويُطلق وعلى الكافر والمنافق يشمل الصغير غير المكلف والمكلف، هل العموم على ظاهره؟ ظاهره أن السؤال في القلب عام للمؤمن والفاسق والكافر كما اختاره الشيخ تقي الدين وابن القيم وجمهور العلماء، حينئذٍ الذي يُسأل من ربك ما دينك من نبيك هو المؤمن والفاسق والكافر، خلافًا لابن عبد البر رحمه الله تعالى حيث قال: لا يُسأل إلا مؤمن أو منافقٌ كان منسوبًا لدين الإسلام بظاهر الشهادة. يعني خلاف الكافر، فالكافر عند ابن عبد البر لا يُسأل، والكتاب والسنة يدلان على خلاف هذا القول، قال الله تعالى: ( {يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ} [إبراهيم: 27] ) . ( {الظَّالِمِينَ} ) هذا لفظٌ عام فيشمل [الفاسق ويشمل المؤمن ويشمل، نعم] يشمل المنافق والكافر، وهذه الآية نزلت في فتنة القبر على جهة الخصوص، وهذا اللفظ ليس خاصًا بالمسلم والمنافق، بل هو عام. وفي البخاري، «وأما الكافر والمنافق فيقول: لا أدري» . بالواو، دل على أن الكافر حينئذٍ يُسأل فيجيب لا أدري، كما أن المنافق يُسأل فيجيب فيقول: لا أدري. ورجحه أيضًا ابن حجر، ويُفيد أيضًا، إذًا السؤال هنا يعم الكافر والمسلم والفاسق، وكذلك يفيد أن السؤال عامٌ للأمم كلها ليس خاصًا بهذه الأمة لعموم الآية ( {يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ} ) كما اختاره ابن القيم وعبد الحق الأشبيلي وغيره، فالآية عامة، وجزم به القرطبي رحمه الله تعالى لأنه إذا كانت هذه الأمة وهي أشرف الأمم تُسأل حينئذٍ من دونها من بابٍ أولى وأحرى، فيكون القياس الأولى، وأما حديث «إنه أوحي إليّ أنكم تفتنون في قبوركم» . هذا خطاب للأمة لكن لا يلزم منه القصر والحصر، إنما خطاب للأمة فهو خطاب لهذه الأمة ولا يدل على التخصيص، فهم يُفتنون في قبورهم لبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - وليس فيه أن غيرهم لا يُفتن، إنما دلت النصوص على ماذا؟

على أن الفتنة تكون عامة لهذه الأمة وغيرها، فغيرهم كذلك يُفتن، ويدل عليه أيضًا قوله تعالى: ( {وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ} ) . هو عام، حينئذٍ يكون في كل زمان ومكان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت