الصفحة 862 من 883

وقال الحكيم الترمذي: إنه خاص بهذه الأمة حيث قال: سؤال الميت في هذه الأمة خاصة لأن الأمم فيها كانت الرسل تأتيهم بالرسالة، فإذا أبوا حينئذٍ اعتزلت الرسل وانتقم الله تعالى من هؤلاء المكذبين. يعني عوجلوا بالعذاب، وهذا لا يدل على ما ذكره رحمه الله تعالى بل الأدلة عامة وتوقف ابن عبد البر، إذًا هذه الأمة تُسأل ولا إشكال فيه، كما أن سائر الأمم قبل هذه الأمة كذلك تُسأل، وحينئذٍ السؤال عام لكل كافر ومؤمن ومنافق.

ويُستثنى مما تقدم من قوله: (النَّاسَ) . جاءت النصوص دالة على أن بعض من يُقْبَر لا يُفتن بمعنى أنه لا يسأل، هذه الأسئلة الثلاثة التي مرت معنا.

أولًا: الأنبياء هل النبي إذا قُبر يُسأل من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ نقول: لا، لا يأتي هذا، لا يأتي، حينئذٍ يكون مستثنًى فلا تشملهم الفتنة ولا يسألون وذلك لوجهين:

الأول: أن الأنبياء أفضل من الشهداء، وجاءت النصوص دالة على أن الشهيد لا يسأل، والنبي أفضل من الشهيد، إذًا من كان أفضل لا يُسأل وهذا استدلال واضح بَيِّن، أن الأنبياء أفضل من الشهداء، وقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الشهيد يُوقى فتنة القبر، وقال عليه الصلاة والسلام: «كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة» . أخرجه النسائي، فالشهيد لا يُسأل والنبي أفضل من الشهيد فالنبي كذلك لا يُسأل، إذًا قوله: (النَّاسَ) . يكون عامًا أراد به بعضهم.

الثاني: أن الأنبياء يُسأل عنهم فيقال للميت: من نبيك؟ فهم مسئول عنهم وليسوا مسئولين، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «إنه أوحي إليّ أنكم تفتنون في قبوركم» . والخطاب هنا خطاب للأمة المرسل إليهم، فلا يكون الرسول داخلًا فيهم للقرينة السابقة، وإلا الأصل ماذا؟ أن الخطاب يشمل النبي - صلى الله عليه وسلم -، لكن لكون النبي أفضل من الشهيد، والشهيد لا يسأل دل على أن الأنبياء لا يُسألون ولا يفتنون في قبورهم.

ثانيًا: مما يستثنى الصِّدِّيقون، فلا يُسألون لأن مرتبة الصديقين أعلى من مرتبة الشهداء، فإذا صحَّ الاستدلال فيما سبق بكون النبي أفضل من الشهيد، والشهيد لا يُسأل حينئذٍ النبي لا يُسأل، كذلك الصديق أفضل وأعظم مرتبة من الشهيد، حينئذٍ الشهيد لا يُسأل فكذلك من كان أعلى مرتبة منه، فالصِّدِّيقون لا يسألون لأن مرتبة الصديقين أعلى من مرتبة الشهداء، فإذا كان الشهداء لا يسألون فالصِّدِّيقون من بابٍ أولى ولأن الصديق على وصفه مُصَدَّق وصَادق صِدِّيق فهو قد علم صدقه فلا حاجة إلى اختباره، لأن الاختبار إلى من يُشك فيه هل هو صادق أو كاذب، أما إذا كان صادقًا فلا حاجة تدعو لسؤاله، وذهب بعض العلماء إلى أنهم يُسألون لعموم الأدلة، والقياس هنا ظاهر، وهو أن الصديق أفضل من الشهيد، فإذا كان الشهيد لا يُسأل فمن كان أفضل منه كذلك لا يسأل، أما الوجه الثاني فهذا محل نظر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت