ثالثًا: الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله، يعني الشهيد شهيد المعركة الذي قتل في المعركة فهذا لا يُسأل لظهور صدق إيمانهم بجهادهم، قال الله تعالى: {إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ} [التوبة: 111] . وقال: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169] . وقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة» . وإذا كان المرابط إذا مات أمن الفَتَّان لظهور صدقه، فهذا الذي قُتِلَ في المعركة هو مثله أو أولى منه، لا شك أن الشهيد أولى الذي قُتِلَ في المعركة أولى وأعلى درجةٍ من المرابط لأنه بذل وعَرَّضَ رقبته لعدو الله إعلاءً لكلمة الله وانتصارًا لدينه، وهذا من أكبر الأدلة على صدق الإيمان، إذًا الثالث الشهداء.
رابعًا: المرابطون فإنهم لا يُفتنون ففي صحيح مسلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «رباط يومٍ وليلة خير من صيام شهر وقيام، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله وأجري عليه رزقه وأمن الْفَتَّان» . هذا محل الشاهد.
خامسًا: الصغار والمجانين، يعني غير المكلف، هل يُسأل هل يُفتن أو لا؟ قولان لأهل العلم، قال بعض العلماء: إنهم يُفتنون لدخولهم في عموم النصوص، فالصغير ولو كان رضيعًا إذا مات يُسأل، حينئذٍ دل النص العام على أنه يُسأل، ولأنهم إذا سقط التكليف عنهم في حال الحياة فإن حال الممات تخالف حال الحياة، فإذا أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بكونه يسألون، حينئذٍ يسألون، ولا نعترض ولا نقول: كيف وهم غير مكلفين؟ إنما نقول: سمعنا وأطعنا. فدل النص على أنهم يُسألون، وقد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دعا لصغير بأن يعيذه الله من عذاب القبر، وهذا يدل على أنه يُمتحن، وإن كان الدعاء له بأن يعيذه الله من عذاب القبر لا يستلزم تحقق العذاب وهو كذلك، لا يستلزم أنه يُعذب، لأنه إذا قيل أنه يُعذب، يُعذب على ماذا؟ هو غير مكلف لم يترك واجبًا ولم يفعل محرمًا نقول: الدعاء برفع العذاب أو عدم العذاب لا يدل على أنه يحقق العذاب أو أنه مستحقٌ لذاته العذاب، ولك معناه أنه دعاءٌ له بأن يجيب صوابًا عند السؤال، وقال بعض أهل العلم: إن المجانين والصغار لا يُسألون لأنهم غير مكلفين، وإذا كانوا غير مكلفين فإنه لا حساب عليهم، إذ لا حساب إلا على من كان مكلفًا يعاقب على المعاصي، وهؤلاء لا يعاقبون لعدم التكليف، وليس لهم إلا الثواب إن عملوا عملًا صالحًا يثابون عليه. إذًا على ذلك إذا سلمنا بهذا والقول الأول مقدم أنهم يُسألون لعموم الأدلة. وعلى من ذكره حينئذٍ خرج من قول المؤلف: (فَإِنَّ النَّاسَ) خرج خمسة أصناف: