الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى فيما يتعلق بسرده للأحاديث الدالة على إثبات صفات الباري جل وعلا.
قد وقفنا عند قوله رحمه الله تعالى: (وَقَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم: «أَفْضَلُ الإِيمَانِ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ مَعَكَ حَيْثُمَا كُنْتَ» . حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
هذا الحديث الثاني عشر في إثبات المعية، ( «أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ مَعَكَ حَيْثُمَا كُنْتَ» ) وإذا قيل ( «أَنَّ اللَّهَ مَعَكَ حَيْثُمَا كُنْتَ» ) فحينئذٍ إثبات المعية العامة أو الخاصة؟ المعية العامة، وهذا هو الحديث الثاني عشر كما ذكرنا، في هذا الحديث دليل على إثبات معيته سبحانه وتعالى، وأن العلم باتصاف الله جل وعلا بهذه الصفة أنه أفضل الإيمان، ولذلك قال: ( «أَفْضَلُ الإِيمَانِ» ) . إذًا الإيمان يتفاضل، ومن أفضله ما يتعلق بصفات الباري جل وعلا، ومن أفضله وقوفه مع هذه الصفة، وأن العلم باتصاف الله جل وعلا بهذه الصفة أنه أفضل الإيمان، فدل على أن العلم بأسماء الله جل وعلا بصفاته هو أفضل الإيمان، وهو كذلك، وذلك لأن الإيمان اعتقاد وقول وعمل، لا بد من هذه الأركان الثلاثة، اعتقاد يعني بالقلب، وقول بالقلب وباللسان، وعمل بالقلب وبالجوارح، والاعتقاد هو الاعتقاد في الله جل وعلا، يعني في أسمائه وصفاته واستحقاقه للربوبية والألوهية وكذلك للأسماء الحسنى والصفات العلى، حينئذٍ دخل الإيمان بالأسماء والصفات في الإيمان بالله جل وعلا، وهذا بابه الاعتقاد ولا بد أن يكون له أثر كذلك على القول والعمل، فجعل عليه الصلاة والسلام أفضل الإيمان العمل بمعية الله جل وعلا العامة لخلقه، ولذلك عبر بالعلم، والمعية الخاصة للمؤمنين لأنه قال هنا: ( «أَفْضَلُ الإِيمَانِ أَنْ تَعْلَمَ» ) . يعني أفضل الإيمان علمك ( «أَنْ تَعْلَمَ» ) ، (أن) وما دخلت عليه في تأويل مصدر، ( «أَفْضَلُ» ) هذا مبتدأ خبره ( «أَنْ تَعْلَمَ» ) يعني علمك فهو موصول حرفيٌّ مع الفعل فيقدر بمصدر، فأفضل الإيمان علمك أن الله معك حيث ما كنت، وهذا دليل على أن العلم بصفات الله جل وعلا من أفضل مقامات الإيمان، بل هو أفضل مقامات الإيمان، لأن الإيمان أركانه ستة، وأعلى هذه الأركان الإيمان بالله جل وعلا، والعلم بالصفات هو العلم بالله جل وعلا فهو راجع إلى أفضلها وهو الإيمان بالله كما مر معنا في التقسيم السابق.
قوله: ( «أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ مَعَكَ حَيْثُمَا كُنْتَ» ) . تقدم معنا أن المعية تنقسم إلى قسمين، وسبق التفرقة بينهما، وهذا الحديث فيه ذكر المعية العامة لأنه قال: ( «أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ مَعَكَ حَيْثُمَا كُنْتَ» ) . وهي معية العلم والاطلاع، وقد تكاثرت الأدلة بالندب إلى استحضار قربه سبحانه في حال العبادات كقوله - صلى الله عليه وسلم: «إذا قام أحدكم يصلي فإنه يناجي ربه» . وقوله - صلى الله عليه وسلم: «إن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت» .