الصفحة 814 من 883

وقال أحمد رحمه الله: كلام الله، من الله ليس بباينٍ منه. من الله منه ظهر وهذا معنى قول السلف: القرآن كلام الله منه بدا وإليه يعود. ومقصود السلف الردّ على الجهمية فإنهم زعموا أن القرآن خلقه الله في غيره، يعني لم يخرج ولم يظهر من الله تعالى فمصدره إما الشجرة وإما اللوح المحفوظ وإما الهواء أي مخلوق تعلقوا به، فيكون قد بدا وخرج من ذلك المحل الذي خُلِقَ فيه لا من الله تعالى، كما يقولون: كلامه لموسى خرج من الشجرة. فَبَيَّن السلف والأئمة أن القرآن من الله بدا وخرج، وذكروا قوله سبحانه: ... {وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي} (من) هنا لابتداء الغاية، فابتدأ الكلام والقول من الله تعالى، فهو القائل وهو المتكلِّم فالحرف حرفه والصوت صوته جل وعلا، فأخبر أن القرآن أن القول منه لا من غيره من المخلوقات، ومن لابتداء الغاية، فإن كان المجرور بها عينًا يقوم بنفسه لم يكن صفة الله تعالى، ومر معنا ذلك كقوله: {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ} [الجاثية: 13] ، {مِّنْهُ} يعني السماوات والأرض، فدل ذلك على ماذا؟ على أن السماوات مخلوقة، والأرض كذلك مخلوقة، فإذا كان المجرور عينًا منفصلة، فحينئذٍ كالمضاف، قلنا: المضاف. إمّا أن يكون مضافًا إلى عين أو إلى صفةٍ معنى لا يقوم بذاته، كذلك المجرور بمن الحال كحال ما سبق، إن كان قائم عين قائمةٌ بنفسها حينئذٍ يكون من إضافة المخلوق إلى خالقه، ولذلك قلنا: الإضافة أعم من المضاف عند النحاة. وأما إذا كان المجرور بها صفةً ولم يُذكر لها محلٌ كانت صفة لله جل وعلا كقوله: {وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي} . قوله: (وَإِلَيْهِ يَعُودُ) أي يرجع عاد بمعنى رجع هنا، بأن يُسْرَى به في آخر الزمان ويُرْفَعُ فلا يبقى في الصدور منه كلمةٌ ولا في المصاحف منه آية كما جاء ذلك في عدة آثار، وهو أحد أشرط الساعة الكبار كما في حديث ابن مسعود وغيره أنه قال: يُسْرَى على القرآن فلا يبقى في المصاحف منه آية ولا في الصدور آية. أخرجه الطبراني، وأخرجه ابن ماجة عن حذيفة، وأخرجه الديلمي عن معاذٍ.

نقف على هذا، ونكمل بعد المغرب.

والله أعلم.

وصلى الله وسلم على نبيا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت