مثال تعدِّيها بنفسها قوله تعالى: {وَتُسَبِّحُوهُ} كما عرفنا، ... {وَتُسَبِّحُوهُ} الضمير هنا مفعول به، وأما تعدِّيها باللام وهذا كثير منها الآية التي معنا {يُسَبِّحُ لِلَّهِ} وهذا متعدّي باللام.
قال العلماء: إذا أريد مجرد الفعل تعدّت بنفسها، مجرد الفعل المراد به ماذا؟ التسبيح أن يقول: سبحان الله. إذا أراد النظر إلى الفعل ذاته ولا شك أن القول فعلٌ {زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ} [الأنعام: 112] يعني ما قالوه، فأطلق الفعل على لا القول، والفعل فعل كاسمه، وهو مرادف للعمل ليس بينهم فرق، والقول يُطلق عليه أنه فعلٌ. إذًا نقول: إذا أراد الفعل ذاته الذي هو القول سبحان الله تعدَّى بنفسه، وإذا أريد به ما يتعلق بالقصد وأن الذي يُسَبَّحُ عظيمٌ جيء باللام. إذًا يلاحظ فيها ماذا؟ فعل الفاعل من حيث القصد.
قال العلماء: إذا أريد مجرد الفعل تعدَّت بنفسها {وَتُسَبِّحُوهُ} أي تقولون: سبحان الله. وإذا أريد بيان القصد والإخلاص تعدَّت باللام ... {يُسَبِّحُ لِلَّهِ} أي يسبحون إخلاصًا لله واستحقاقًا، فاللام هنا تُبَيِّنُ كمال الإرادة من الفاعل أنه مخلصٌ لله في تسبيحه، وكمال الاستحقاق من الْمُسَبَّحِ وهو الله، فهو علة التسبيح.
والتسبيح نوعان:
-تسبيحٌ بلسان الحال.
-وتسبيحٌ بلسان المقام.
التسبيحٌ بلسان الحال كقوله: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ} ... [الإسراء: 44] ما نوع (إن) هنا؟ نافية، الدليل؟ (إن) تأتي نافية، وتأتي شرطية، وتأتي مخففة من الثقيلة. تأتي نافية ما الدليل على أنها نافية؟ الصحيح أنها نافية، يعني بمنزلة (ما) إلا إذا جاءت (إن) ونظرت بعدها بكلمة أو كلمتين جاءت (إلا) فهي نافية {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ} ، إذًا و (ما) من شيءٍ إلا يسبح بحمده، حينئذٍ تكون (إن) هنا نافية، وإذا كانت نافية الفائدة منها ماذا؟ أن الصيغة (ما) و (إلا) أفادت القصر والحصر، بل هي أعلى درجات القصر والحصر، ولذلك جاءت عليها كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) جاء النفي ومقابله ماذا؟ إلا، {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ} يعني وما من شيءٍ إلا يسبح بحمده، {شَيْءٍ} إيش إعرابه إعرابه؟ مبتدأ، و {مِّن} زائدةٌ من قبيل زيادة الحرف لإفادة التأكيد، حينئذٍ هو نص في العموم، فما من شيءٍ يصدق عليه أنه شيء إلا وهو يسبح بحمده جل وعلا.
إذًا لا يخرج فردٌ البتة، وهو المراد بقوله: ( {مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} ) . صدق عليه، كل ما في السماوات وكل ما في الأرض، كل فرد صدق عليه أنه شيءٌ فشمله هذا النص {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ} وهذا عام، فالتسبيح بلسان الحال يعني أن حال كل شيء في السماوات والأرض تدل على تنزيه الله سبحانه وتعالى عن العبث وعن النقص، يعني لو تأمل فيه المتأمل لرأى فيه ماذا؟ لرأى فيه صفات الباري جل وعلا، من حيث الخلق، ومن حيث الإحكام، ومن حيث الرحمة، ومن حيث .. كل ما يمكن أن يتعلق به ذلك المخلوق بخالقه لرآه في ذلك المخلوق، وهذا المراد به، وحينئذٍ يكون مُنَزِّهًا للباري جل وعلا. [قال نعم] .