وأما القول بأن التزيه ليس هو مدلول التسبيح في لسان العرب، نقول في جهة الباري جل وعلا لا بد وأن يستلزم التعظيم، لأنه لم يُنَزَّه من كل وجهٍ، المخلوق لا ينزه من كل وجهٍ وإِنْ نُزِّهَ في بعض المواضع لكن لا بد من نقصٍ وعيب في مواضع أخرى، أما الذي يُنَزَّهُ من كل وجهٍ فهو الباري جل وعلا، لماذا؟ لكمال عظمته، فهو عظيمٌ من كل وجهٍ، وحينئذٍ التنزيه يستلزم التعظيم، والتعظيم المطلق الذي يُثبت للباري جل وعلا يستلزم نفي النقائص والعيوب عنه جل وعلا، فالعظمة والتنزيه متلازمان، و (سبَّح) في لسان العرب تتعدَّى بنفسها وبغيرها باللام يعني، {يُسَبِّحُ لِلَّهِ} ، وجاء {وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً} [الفتح: 9] ، {تُسَبِّحُوهُ} ها الضمير هنا مفعول به تعدّى إليه التسبيح بنفسه بدون واسطة {يُسَبِّحُ لِلَّهِ} ، إذًا بينهما فرقٌ، قد لا يأتي ثَمَّ فرقٌ بين الفعلين عند التعدِّي واللزوم، شَكَرْتُهُ وشَكَرْتُ لَهُ، صحيح؟ شَكَرْتُهُ وشَكَرْتُ لَهُ جماهير النحاة على أن - وهذه فائدة عرضية - جماهير النحاة على أن الفعل ينقسم باعتبار التعدِّي واللزوم إلى قسمين:
متعدِّي ولازم.
وليس بينهما واسطة، فما كان متعدّيًا لا يأتي لازمًا، وما كان لازمًا لا يأتي متعدّي، متقابلان كالذكر والأنثى، واضح؟
هل ثَمَّ واسطة؟ أثبتها بعضهم، وهو ما كان متعدّيًا لازمًا، أو يقول - بتعبير آخر: ما ليس متعدّيًا ولا لازمًا. وهي أفعال معدودة منها شَكَرْتُهُ، ونَصَحْتُهُ، شَكَرْتُهُ في لسان العرب يأتي متعدِّي ويأتي لازم، تقول: شَكَرْتُهُ زيدًا أو زيدٌ يجوز الوجهان، زيدٌ شَكَرْتُهُ، وشَكَرْتُ لَهُ، نَصَحْتُهُ ونَصَحْتُ له، هل هذا متعدِّي أو لازم، جاء بالاثنين، وهذا الصواب فيه أنه ماذا؟ أنه لازم وليس بمتعدِّي، الصواب لا واسطة، إمّا متعدِّي وإما لازم، والأصل شَكَرْتُ لَهُ، فحُذِفَت اللام لأمرٍ مَا ثُمَّ اسْتَكَنَ الضمير أو اتصل الضمير بالفعل، فشَكَرْتُهُ فرع وليس بأصل، والأصل شَكَرْتُ لَهُ، ونَصَحْتُ لَهُ هو الأصل ونَصَحْتُهُ هذا فرعٌ، والتقعيد والتأصيل هنا إنما يتعلق بالأصول لا بالفروع، دائمًا القاعدة عند أرباب الفنون كلها، ما من قاعدة أو تأصيل لا يُنظر إلى الفرع، وإنما يُنظر إلى الأصول فلا يُعترض على الأصول بماذا؟ بالصور والوقائع، ولا يقال هذا أصلٌ من أصول أهل السنة والجماعة، لكن جاء أحاديث دل على كذا، ماذا تريد بهذا الحديث؟ أن تنسف الأصل من أصله؟ لا ما يعترض على الأصول بماذا؟ بالصور والوقائع، وإنما تقضي على هذه الصور والوقائع بالأصل، يعني يجب تأويلها لتوافق الأصل، وليس هو العكس، طلاب العلم الآن تأتي بعض الأسئلة يقول: يَرِدُ على أصلٍ كذا. وهو أصلًا مجمع عليه بين أهل السنة والجماعة، ثَمَّ لفظ في القرآن، أو ثَمَّ لفظ في السنة فحينئذٍ هذا يُشْكِلُ على الأصل. نقول: لا، لا يشكل، لماذا؟ لأنك جعلت الفرع أصلًا والأصل فرعًا، وهذا غلطٌ ليس هذا من قبيل التعلم ولا التأصيل، وإنما تجعل الأصل محفوظًا، فإذا مَرّ بك لفظ يخالف الأصل فابحث عن تأويل، لا تبحث عن اعتراض بينه وبين الأصيل.
على كلٍ هنا (سَبَّحَ) جاء متعديًا بنفسه، وجاء متعدّيًا باللام.