الصفحة 785 من 883

وفي (( الصحيحين ) )عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه» . السماء يطويها السماء بيمينه كيف يكون بذاته جل وعلا داخلٌ في السماء هذا باطل «ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض» . قوله: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَاء وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ} [الروم: 25] أي من العلامات الدالة على وجوده سبحانه وعظيم قدرته وقيام كل شيءٍ به، قال سبحانه: {أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} [الرعد: 33] ، وقال سبحانه: {اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة: 255] ومر معنا تفسير {الْحَيُّ الْقَيُّومُ} القائم لنفسه المقيم لغيره، القائم بتدبير خلقه وأرزاقهم وجميع أحوالهم. وفي (( الصحيح ) )من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام» لأن النوم صفة نقص فيجب نفيها عن الباري جل وعلا «يخفض القسط ويرفعه، يُرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور لو كشفه لأحرقت سُبُحَاتُ وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» . رواه مسلم فهذه الآيات صريحةٌ في أن الرب سبحانه ليس هو عين هذا المخلوقات، بل هو منفصلٌ جل وعلا، ولا صفةً، ولا جزءً منها، فإن الخالق غير المخلوق، وهذا يدركه العقل بل يدركه من كان على فطرةٍ سليمة، وليس بداخلٌ فيها محصورٌ بل هي صريحةٌ في أنه جل وعلا مباينٌ لها، وأنه ليس حالًا فيها، ولا محلًا لها، فإن الكرسي في العرش كحلقةٍ ملقاةٍ بأرضٍ فلاة خالية كصحراء، والعرش من مخلوقات الله لا نسبة له إلى قدرة الله وعظمته، فكيف يُتَوهم بعد هذا أن خلقًا يحصره ويحويه.

وفيه كذلك دلالة على عظمته سبحانه وعظيم قدرته وعظم مخلوقاته، فقد تعرف سبحانه إلى عبادة بصفاته وعجائب مخلوقاته، وكلها تدل على كماله جل وعلا، وأنه المعبود الحق وحده لا شريك له في ربوبيته وإلهيته، وأن العبادة لا تصلح إلا له جل وعلا، ولا يصلح منها شيءٌ لا لملكٍ مقرب ولا نبي مرسل، فضلًا عن غيرهما.

وتدل أيضًا على إثبات صفات لله على ما يليق بجلاله إثباتًا بلا تمثيل، وتنزيهًا بلا تعطيل، وعلى هذا سلف الأمة، ومن تبعهم بإحسان، وهو الذي دلت عليه أدلة الكتاب والسنة. فأراد رحمه الله تعالى بهذا الفصل الجمع بين الصفتين إثبات صفة العلو لله جل وعلا، وأنه مع خلقه بعلمه واطلاعه ومشاهدته، لا يغيب عنه شيءٌ البتة.

هذا. والله أعلم.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت