ولهذا نقول: إن الأنعام التي هي الإبل لم يخلقها الله تعالى بيده {مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا} ما خلقها ليست كآدم عليه السلام، وفرقٌ بين قوله: {مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا} . وبين قوله: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75] . {مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا} ، {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} فقوله: {مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا} كأنه قال مما عملنا، من عملنا لأن المراد باليد ذات الله تعالى التي لها يدٍ، والمراد {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} اليدان دون الذات.
إذًا قد يلاحظ الوصف حينئذٍ {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} المراد اليدان، الصفة ابتداءً، وقوله: {مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا} أي من ما عملنا، والمراد به الذات المتصفة بصفة اليد، وهذا فرقٌ بين الموضعين.
وأما قوله تعالى: {وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ} [الذاريات: 47] . هذا من ما يعترض به على أهل السنة والجماعة أنتم محرفة، تنكرون التحريف وتحرفون {وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ} قال أهل السنة: أيد هنا القوة. إذًا ( {بَلْ يَدَاهُ} ) قوتاه، لماذا أنتم تجيزون في موضع وتمنعون في موضع؟
نقول: لا، {بِأَيْدٍ} نحن ندور مع ماذا؟ مع اللفظ، فما أثبته الباري جل وعلا لنفسه أثبتناه، وما لم يثبته حينئذٍ لا نثبته، هنا ما قال: (بأيدينا) . كما أضافها هناك ( {بَلْ يَدَاهُ} ) ، ( {بِيَدَيَّ} ) أضاف الصفة إلى نفسه، وهنا قال: {بِأَيْدٍ} . وما لم يضفه الباري جل وعلا إليه لا نضيفه، لا نضيفه البتة، وهنا كذلك.
إذًا {بِأَيْدٍ} الأيدي هنا بمعنى القوة فهي مصدر آَدَ يَئِيدُ، أَيْدٍ مصدر، ليست بجمع يد أصلًا، وإنما هي مصدر آدَ يَئِيدُ بمعنى قَوِيَ، وليس المراد بالأيدي صفةً لله تعالى، ولهذا ما أضافها الله إلى نفسه ما قال: (بأيدينا) بل قال: {بِأَيْدٍ} . أي بقوة، هذا ما يتعلق بصفة اليدين.
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: (وقولِهِ: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} [الطور: 48] ) . هذا شروع من المؤلف رحمه الله تعالى في إثبات صفة العينين لله تعالى وذكر ثلاث آيات.
الآية الأولى قوله: ( {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} ) . ( {وَاصْبِرْ} ) هذا خطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم -، أي اصبر لحكم ربك الكوني والشرعي، لأنه قال: ( {لِحُكْمِ رَبِّكَ} ) . وهنا مفرد مضاف فيعم الحكم الشرعي من تحليل وتحريم وإيجاب وندب يحتاج إلى صبر، صبر على الطاعة والصبر عن المعصية، والحكم الكوني على أقدار الله تعالى المؤلمة يحتاج إلى صبرٍ، إذًا ( {لِحُكْمِ رَبِّكَ} ) شَمِل النوعين، أليس كذلك؟ الحكم الكوني والحكم الشرعي.
والصبر لغةً الحبس والمنع وهو حبس النفس عن الجزع، وحبس اللسان عن التشكي والتسخط، وحبس الجوارح عن لطم الخدود وشق الجيوب، ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى.