من قال قولًا غيره، غير من؟ غير النبي - صلى الله عليه وسلم - قمنا على أقواله بالسبر والميزانِ
إن وافقت قول الرسول وحكمه ... فعلى الرؤوس تشال كالتيجانِ
أو خالفت هذا رددناها على ... من قالها من كان من إنسانِ
أو أشكلت عنا توقفنا ولم ... نجزم بلا علم ولا برهانِ
يعني أشكل قول العالم كما ذكر ذلك عن مجاهد فيما سبق، أقوال العلماء إن أمكن حملها على ما جاءت به السنة فحينئذٍ بها ونعمة، وإن لم يمكن فحينئذٍ يقال: هذا رأيه، فإن كان من أئمة السنة حينئذٍ اعْتُذِرَ له.
أو أشكلت عنا توقفنا ولم ... نجزم بلا علم ولا برهانِ
هذا الذي أَدَّى إليه علمنا ... وبه ندين الله كل أوانِ
وهذه من القواعد المهمة في تقرير منهج السلف أنهم لا يقدمون على كتاب الله ولا عن سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قول أحدٍ كائنًا من كائن، فالذي عليه أهل السنة والجماعة أن السنة كالقرآن في وجوب القبول وإفادة العلم واليقين خلافًا لِمَا عليه أهل البدع والضلال. وتقدم الكلام على أن خبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول عملًا به وتصديقًا له أنه يُفيد العلم اليقيني عند جماهير الأمة، والمراد ما اتفق على أنه صحيح، وأما الذي وقع فيه نزاع فمن صححه حينئذٍ إن كانت عنده ملكة أهل الحديث فقد يكون مفيدًا للعلم، وإلا فلا يُشترط، يعني قد يكون مفيدًا للظن، وإفادته للظن لا تمنع من العمل به، ولم يكن بين سلف الأمة في ذلك نزاع وهو الحق الذي تشهد له الأدلة كخبر عمر رضي الله تعالى عنه «إنما الأعمال بالنيات» هذا لم يروه مع أهميته بأنه نصف العمل مع أهميته لم يروه إلا عمر رضي الله تعالى عنه فأين بقيت الصحابة؟ لن نعترض بهذا لأن هذا إدخال العقل، فإذا كان كذلك نقول: ما دام أن عمر رضي الله تعالى عنه ثقة ثبت حينئذٍ وجب قبول خبره، ومن نقله كذلك عنه، وكقوله: «يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب» . إلى أمثال ذلك، وهو نظير الخبر الذي أتى مسجد قباء وهم يصلون وأخبر أن القبلة تحولت فاستداروا إلى القبلة، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُرْسِل رسله آحادًا، ويرسل كتبه مع الآحاد، فالأدلة على ذلك كثيرة، وذَهَبَ غير واحد إلى أن خبر الصحيحين البخاري ومسلم مما لم ينتقد - بهذا القيد - يُفيد العلم اليقيني وهو الحق، يعني ما ذهب إليه بعضهم من أن ما رواه البخاري ومسلم مما لم ينتقد يفيد العلم اليقيني، وهو كذلك وهو المرجح عند كثير من الأصوليين.
هذا ما يتعلق بالفصل الثاني مما ذكره المصنف رحمه الله تعالى بذكر أحاديث النصوص.
ثم انتقل إلى مبحثٍ آخر وهو ما يُسَمَّى في كتب العقيدة بالوسطية، ولذلك قال: (بَلْ هُمُ الْوَسَطُ فِي فِرَقِ الأُمَّةِ) . يعني أهل السنة والجماعة، المراد بالوسطية إتباع الكتاب والسنة، هذا المراد بالوسطية، وليس المراد بالوسطية الانفلات من الكتاب والسنة ومصادمة أصول الدين، يعني الوسطية الآن صارت هذه كلمة تُطلق ويُراد بها التَّفَلُّت من العقيدة والتَّفَلُّت من الأحكام الشرعية، ولكن أراد رحمه الله تعالى الوسطية هي متابعة الكتاب والسنة، وهذا الحديث مترابط يحتاج إلى وقت أطول، ونقف على هذا، والله أعلم.
وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.