الصفحة 728 من 883

قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: عجبت لقومٍ يعرفون الإسناد وصحته ويذهبون إلى رأي سفيان. يعني سفيان بن عيينة أو سفيان الثوري. يقول من كان يستطيع أن يصل إلى الحق بنفسه وحينئذٍ ينظر في أقوال أهل العلم ويرجح هذا لا يجوز له التقليد، التقليد قد يكون محرمًا وقد يكون واجبًا، من عجز عن الوصول إلى الحق بنفسه وجب عليه أن يقلد أحدًا من أهل العلم ممن يوثق في علمه ودينه يعني ليس العلم فحسب بل في علمه ودينه لأن الله تعالى قسم الناس قسمين لا ثالث لهما قال: {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [النحل: 43] إن كنت عالمًا فلا تسأل، إن لم تكن عالمًا فاسأل قال: {فَاسْأَلُواْ} هذا أمرٌ والأمر يقتضي الوجوب، فدل على أن تقليد العالم أهل الذكر المراد بأهل الذكر هنا العلماء، فمن لم يكن عالمًا وجب عليه أن يسأل أهل العلم، من كان عالمًا بمفهوم الآية حينئذٍ الأصل عدم جواز التقليل لأنه لا يجوز أن يُتَّبَعَ أحدٌ إلا محمد - صلى الله عليه وسلم -، فيجب على طالب العلم أن يعتقد هذا المعنى. الإمام أحمد يقول: عجبت لقومٍ يعرفون الإسناد وصحته ويذهبون إلى رأي سفيان. فكيف بمن كان دون سفيان؟ من باب أولى وأحرى. والله سبحانه يقول - يعلل ذلك رحمه الله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63] . يعني جعل ذلك مخالفةً لأمر النبي - صلى الله عليه وسلم -، من عرف الإسناد وصحته وقَلَّدَ سفيان فحينئذٍ جعله ماذا؟ جعله مخالفًا لأمر النبي - صلى الله عليه وسلم -، وخَشِيَ عليه أن تقع به أو عليه الفتنة، ولذلك استدل بهذه الآية، قال: أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك. لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلِك، وهذا واضح بَيّن أن الإمام أحمد رحمه الله تعالى لا يرى التقليد، فالتقليد الأصل فيه التفصيل ليس ممنوعًا مطلقًا ولا مفتوحًا مطلقًا، وإنما النظر يكون في ماذا؟ في النظر في الأدلة وأقوال أهل العلم، ولكن بشرط أن يكون أهلًا للنظر ليس كل أحد يتجرأ على الكتاب والسنة يقول: أنا متحرر ولا أقلد. نقول: لا، إذا كنت أهلًا وكنت مستوعبًا لآلة ذلك في الاجتهاد وتحقق فيك الاجتهاد، حينئذٍ لا يحل لك أن تقلد، وأما من كان دون ذلك كان أنصاف المتعلمين والعوام نقول: هذا لا يجوز له أن يجتهد البتة.

قال هنا: وقال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: أجمع العلماء - حكى إجماعًا هنا - أجمع العلماء على أن من استبانة له سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكن له أن يدعها لقول أحدٍ كائنًا من كان. ولو كان صاحبيًّا لو ظهرت لك السنة لا يجوز لك أن تدع السنة تترك قول النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم تقلد صحابيًّا، ووقع النزاع بين الصحابة أو تقلد أبا حنيفة أو مالك أو الشافعي أو أحمد فضلًا عن من دونهم من المتأخرين، ونظائر ذلك كثير في كلام السلف رحمهم الله تعالى.

قال ابن القيم رحمه الله تعالى مُتَوِّجًا هذه القاعدة في النونية:

من قال قولًا غيره قمنا على ... أقواله بالسبر والميزانِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت