الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد.
فقد شرع المصنف رحمه الله تعالى في ذكر الآيات الدالة على إثبات صفة الكلام للباري جل وعلا.
ووقفنا عند قوله رحمه الله تعالى: (وَقَوْلِهِ) - يعني تعالى - ( {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [الأنعام: 115] ) ، قرأها أهل الكوفة ( {كَلِمَةُ} ) بالإفراد بالتوحيد، وقرأ الباقون بالجمع (وَتَمَّتْ كَلِمَاتُ رَبِّكَ) وكلاهما بمعنى واحد لأن قوله: ( {كَلِمَةُ رَبِّكَ} ) . مفرد مضاف إلى معرفة حينئذٍ يكون عامًا، فيكون مراده كلمات، حينئذٍ من حيث المعنى اتحدتا أو اتحدت القراءتان ( {كَلِمَةُ رَبِّكَ} ) ، (كَلِمَاتُ رَبِّكَ) بمعنى واحد لأن مفرد المضاف يعم يعتبر من صيغ العموم، لقوله تعالى: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا} ... [إبراهيم: 34] . {نِعْمَتَ اللهِ} هي واحدة أم متعددة؟ نقول: متعددة، وهذا واضح بَيّن بدليل الاستقراء كذلك قوله: {لاَ تُحْصُوهَا} الذي لا يحصى هو الذي لا يُعَدّ، والنعمة الواحدة هذه هي في ذاتها واحدة لا تُعَدّ، لا تُعَدّ من حيث العلم بها، لأن الواحد لا يُعَدّ إنما يُعَدّ ماذا؟ المتعدد، إذًا {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا} أي نعم الله تعالى.
قال: قوله: ( {صِدْقًا وَعَدْلًا} ) . هذان تمييزان من كلمة تمت هذا فعل ماضي، و ( {كَلِمَةُ} ) بالرفع على أنه فاعل، و ( {صِدْقًا وَعَدْلًا} ) إما تمييزان وإما حالان، أي صدقًا في الأخبار وعدلًا في الأحكام كما اشتهر عن المفسرين فلكل منهما متعلّق، فالصدق هذا وصف للأخبار حينئذٍ عرفنا أن الصدق يُقابله الكذب، وهذان وصفان متقابلان إنما يوصف بهما الكلام فدل ذلك على أن المراد بقوله: ( {كَلِمَةُ} ) الكلام وهو كذلك، أي صدقًا في الأخبار وعدلًا في الأحكام أو إن شئت قل الطلب كلاهما بمعنى واحد، فكل ما أخبر به سبحانه فهو حقٌّ لا مرية فيه ولا شك، فكل ما أمر به فهو العدل الذي لا عدل سواه، وكل ما نهى عنه فباطل لأن الله تعالى لا يأمر إلا بما فيه مصلحة إما خالصة وإما راجحة، ولا ينهى إلا عما فيه مفسدةٌ إما خالصة وإما راجحة، يعني المفسدة قد تكون خالصة متمحضة في الفساد، وقد تكون مشتملة على مصلحةٍ إلا أن جانب المفسدة أعظم ولذلك تعلّق بها النهي، إذًا كل ما أمر به جل وعلا أمر إيجاب أو أمر استحباب، يعني كل منهما فيه مصلحة فهو العدل الذي لا عدل سواه، وكل ما نهى عنه فباطل، لأنه تعالى لا ينهى إلا عن مفسدةٍ خالصةٍ أو راجحة، والمراد بالكلمة هنا أمره ونهيه ووعده ووعيده، وكلمات الله نوعان:
كونية، ودينية.
يعني منها ما يتعلق بالكون {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 82] .
وقد يكون المراد به كلمة شرعية كالأوامر الشرعية الواردة في الكتاب والسنة.