الصفحة 627 من 883

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد.

ولا زال الحديث مع شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في سرده للآيات المتعلقة بكون القرآن من كلام الله جل وعلا.

وذكرنا أنه شرع أولًا في ذكر الآيات المتعلقة بكلام الله على جهة العموم وذكر إحدى عشرة آية، ثم بعد ذلك شرع في ذكر الآيات الدالة على أن القرآن من كلام الله جل وعلا، وذكر عشر آيات.

ووقفنا عند قوله: رحمه الله تعالى: وقوله تعالى: ( {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} ... [البقرة: 75] ) .

( {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ} ) يعني وُجِدَ، وكان هنا تامة، وقد للتحقيق، والفريق المراد به الطائفة والجماعة ( {مِّنْهُمْ} ) أي من أحبارهم ( {يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ} ) أي التوراة المقصود به هنا اليهود ( {ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ} ) أي يغيرونه ويتأولونه على غير تأويله فجعلوا حلاله حرامًا أو نحو ذلك مما فيه موافقةٌ لأهوائهم كتحريفهم صفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإسقاط الحدود عن أشرافهم، وهذا إخبارٌ من الله جل وعلا عن إصرارهم على الكفر، وإنكار على من طَمِعَ في إيمانهم، وحالهم هذه الحال أي ولهم سلفٌ حَرَّفُوا كلام الله تعالى وغيروا شرائعه وهم مقتدون بهم متبعون سبيلهم. ومر معنا التحريف في أول الكتاب وأنواعه كلام ابن القيم رحمه الله تعالى في ذلك. قوله: ( {مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ} ) العقل المراد به الفهم يعني من بعد ما فهموه ( {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} ) أي أنهم مفترون وقعوا في المعصية عالمين بها ( {يَعْلَمُونَ} ) أنهم مفترون، والافتراء هذا معصيةٌ، وحينئذٍ هم عاملون بذلك، وإذ كان هذا حال علمائهم فحينئذٍ كيف يكون حال الجهال، إذا كان العلماء ( {يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ} ) يعني من بعد ما فهموه، فكيف بحال جهالهم ونحو ذلك.

في هذه الآية تَأْيِيس من إيمان اليهود الذين شاهد آباؤهم ما شاهدوا ثم قَسَتْ قلوبهم ولم ينفعهم ما شاهدوه، وفيها كذلك ذم للمحرفين للكلم عن مواضعه، وأن التحريف من صفات اليهود.

وأفادت هذه الآية كغيرها إثبات صفة الكلام لله عز وجل، التوراة من كلام الله جل وعلا.

وفيها الرد على من زعم أن الله لا يتكلم أو أن كلامه مخلوق لا يتكلم لأنه أطلق ماذا؟ ( {يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ} ) حينئذٍ الباري جل وعلا يتكلم والكمال كما مر معنا بالأمس أنه يكون بحرف وصوتٍ، لا بد من اللفظ وإلا لا يسمى كلامًا، وإذا أضافه الباري جل وعلا إلى نفسه كلام الله حينئذٍ اقتضى أنه صفة من صفاته وصفات الباري جل وعلا ليست مخلوقة. إذًا الرد على من زعم أن الله يتكلم من كونه. قال: ( {كَلَامَ اللَّهِ} ) أو أن كلامه مخلوق لكونه أضافه إلى نفسه جل وعلا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت