وفيها دليل على أن الكلام إنما يُنسب إلى من قال هو مبتدأً لا إلى من قاله مبلغًا مؤديًا، فإن قوله: ( {يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ} ) أي من قارئه ومبلغه ( {يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ} ) مباشرةً؟ الجواب: لا، إنما يسمعونه من موسى عليه السلام أو يقرؤونه أو يقرأه القاري فيسمعونه، فقال: ( {كَلَامَ اللَّهِ} ) إذًا كونه يتلى ويُسْمع بصوت العبد حينئذٍ لم يخرجه عن كونه كلام الباري جل وعلا. ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: وقوله: ( {يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا} [الفتح: 15] ) ، {كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ} أول الآية {سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ} الآية، ومعنى قوله: {سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا} أي سيقولون عند انطلاقكم أيه المسلمون إلى مغانم، والمراد بالمغانم هنا مغانم خيبر {لِتَأْخُذُوهَا} أي لتحوزوها {ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ} أي اتركونا نتبعكم ونشهد معكم غزوة خيبر، وأصل القصة قال الشوكاني رحمه الله تعالى: أنه لما انصرف النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن معه من المسلمين من الحديبية وَعَدَهم الله تعالى فتح خيبر، لكن المغانم مغانم خيبر لم تكن إلا لمن شهد الحديبية، وهؤلاء لم يشهدوها حينئذٍ أرادوا ماذا؟ أرادوا شيئًا من المغانم، وقد كتب الله تعالى أنه لا ينالهم شيء. لذلك قال: ( {يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ} ) . وهذا باطل. قال: أصل القصة أنه لما انصرف النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن معهم من المسلمين من الحديبية وعدهم الله فتح خيبر وخصَّ بغنائمها من شهد الحديبية، فلما انطلقوا إليها قال: هؤلاء المخلفون {ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ} . قال الله سبحانه ( {يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ} ) قد حكم الله تعالى حكمٌ كونيًا أنه لا يُنالهم شيءٌ من ذلك. ( {يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ} ) أي مواعيده بغنائم خيبر أهل الحديبية خاصة لا يشاركهم فيها غيرهم من الأعراب والمتخلفين ولا يقع غير ذلك شرعًا ولا قدر. ولهذا قال: ( {يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ} ) وهو الوعد الذي وعد به أهل الحديبية. اختاره ابن جرير رحمه الله تعالى في تفسيره، وكذلك الشوكاني في (( فتح القدير ) ).
قوله: ( {قُل لَّن تَتَّبِعُونَا} ) أي في خيبر وهذا خبر بمعنى النهي، والمعنى لا تتبعونا، لن تتبعونا هذا خبر في معنى النهي، حينئذٍ يكون المراد به لا تتبعونا {كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ} أي [من قبل عودنا] من قبل انصرافنا من مكة إلى المدينة أن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية خاصةً دون غيرهم فليس لغيرهم فيها نصيب.